الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الكائن الصغير

الكائن الصغير

نمير بن سالم آل سعيد

نمير بن سالم آل سعيد

ذلك الكائن الصغير في رأسي لا أعرف له شكل، ولا أدري، هل له كيان مخفي ووجود لا يرى، أم أنه مجرد أبجدية تتحدث في رأسي. فلم يسبق لهذا الكائن أن خرج ليخاطبني وجها لوجه. وإنما هو دوما معي يتحدث في رأسي بملاحظاته المختلفة وأوامره ونواهيه.
يتدخل هذا الكائن في كل صغيرة وكبيرة وينشط أكثر حين أكون بمفردي ليبادر بالكلام، حتى في هذه اللحظة أسمعه يقول غيّر كلمة “يتدخل” إلى “يتشارك” ولكني مضيت في الكتابة دون أن أجري أي تغيير على الكلمة.
دائما ما استمع لما يقوله هذا الكائن في رأسي فليس لدي خيار إلا الاستماع إليه، ولا وسيلة لدي لاسكاته، وأحيانا استجيب لاملائته، إذا اقتنعت بأنه على صواب أو أيقنت بأن لا ضرر ولا ضرار من تنفيذ طلباته. وإنما لا أدع هذا الكائن الصغير يسيرني، حيث يشاء كما يشاء ولي دائما الرأي النهائي حول ما يطرحه من أفكار إذا ما كان يجب وضعها في حيز التنفيذ، كما يطلب أو تجاهلها بعدم تنفيذها.
فإذا أردت الذهاب لممارسة الرياضة لمعرفتي بأهميتها وضرورتها للجسم، يوهمني بأنني متعب وعلي أن ارتاح بالبيت لأن ذلك أفضل للصحة لفترة معينة لاستعادة النشاط، ويطلب مني تأجيل ذلك إلى يوم آخر إلى أن يمر أسبوع دون ممارسة الرياضة بإيعاز منه. فلا أوافقه بأكثر من هذه المدة.
وإذا أقبلت على الطعام يخبرني بالإكثار من تناول الحلويات فمرة واحدة لن يضر فأصدقه، إلى أن تتكرر المرات بأعذار مختلفة منه يسوقها، ويقول لا عليك فلن تتأثر صحيا بذلك. فالجسم مزود بمادة الأونسلين لتنظيم كمية السكر في الجسم فأصدقه. وإنما أشعر بالإسراف فأتراجع ذاتيا عن ذلك بالالتزام بالتوازن.
وإذا أردت قراءة كتاب يقول تعالى نشاهد أفلام التليفزيون أو اليوتيوب المسلية مالك ومال هموم الثقافة والفكر المتعبة للذهن. وحين انتهي من تنفيذ ما قاله أشعر بأني عملت ما لا يفيد. وأتوجه إليه لإبداء اعتراضي على ما وجه به، فأراه لا يعطي للأمر أهميه ويشغلني بأشياء أخرى يريد أن يتحدث عنها. وعندما يعود لدعوتي للكف عن القراءة ومشاهدة الأفلام، أخبره بأني حددت أياما معينة في الأسبوع لمشاهدة الأفلام، كما حددت وقتا للقراءة.
قبل أسابيع وأنا أجلس في مكتبي قال لي حان الوقت لأن تأخذ إجازتك السنوية وتسافر إلى الخارج وتسعد وتبتهج فوافقته على ذلك، لأني فعلا أشعر بأني مرهق وبحاجة للراحة بعد عام من الدوام، ولكنه قال لا تأخذ عائلتك معك لأنك بذلك تتحول إلى مرافق لهم تصحبهم إلى الأسواق والحدائق وأماكن ألعاب الأطفال وكأنها إجازتهم لا إجازتك، وتعود من الإجازة متعبا أكثر من ذي قبل. وكأنك يا بو زيد ما غزيت.
قلت إذن أذهب مع أحد الأصدقاء أو اثنين منهم؟ قال لا، قد يطلبا منك أن تدفع قيمة التذكرة أو إقامة الفندق لأنك أنت من دعوتهم للسفر معك. ثم إنك طوال فترة السفر ستقابل وجوههم ليلا نهارا مما سيصيبك بالضجر. الأفضل أن تذهب لوحدك. تبسط نفسك، ترتاح بهدوء، دون إزعاج.
وبعد المناقشات المستفيضة لم أوافق هذا الكائن الرأي، فلا أريد أن أقضي رحلة السفر وحيدا أكل وأشرب وأتجول بنفسي، ولا أتحدث لأحد إلا هذا الكائن الصغير في رأسي الذي لا يفارقني أبدا. ولذا لم اتخذ قرار الخروج في إجازة إلى الآن. وأسمعه يقول ستفوتك فرصة إجازة هذا العام فاحزم حقائبك، وهلم بنا.
قبل أيام أثار هذا الكائن الصغير موضوع شرائي سيارة جديدة باهظة الثمن ولا أعرف من أين جاءته فجأة هذه الفكرة ليطرحها علي، على الرغم من أنني مقتنع بسيارتي وهي في حالة جيدة. فطردت فكرته المكلفة التنفيذ، ولكنه عاد يلح علي بالفكرة، قائلا خذ سيارة تليق بك، استمتع بحياتك وريح نفسك فالحياة قصيرة، فسيارتك أصبحت قديمة، أنظر لسيارات الناس الجديدة حولك واشترِ واحدة مثلهم، ولم استطع القول بأن مبلغ المال غير متوفر لدي، فهو في رأسي مطلع على كافة ملفاتي وحساباتي البنكية. ولكنني أحتفظ بهذا المبلغ وغيره للحالات الطارئة والضروريات، بعدما اجتهدت في جمعة على مدار السنوات، أما هو فهّمه أن أنفذ ما أشار به، لنتجول في سياره فخمة باهظة الثمن للاستمتاع بمباهج الحياة كما يقول.
ومع ضغط هذا الكائن وإغرائته وافقت على أن أشتري سيارة جديدة تتميز بالروعة والفخامة، وهاهي الآن معي نتجول بها بمتعة وافتخار، ولكن بعد أيام من استخدام السيارة فكرت في كمية المبلغ الكبير الذي خسرته من أجل رفاهية حياتية لا ضرورة، وسمعت هذا الكائن يقول، ماذا استفدت الآن بعد أن غيّرت سيارتك وخسرت فلوسك؟. قلت أنت الذي أخبرتني بذلك، قال لكن أنت من اتخذ القرار.
في هذه الحياة لا بد من اتخاذ قرارات صغيرة كانت أو كبيرة، وتجلس تستمع لكائنك الصغير الذي لا يصمت بما يوجه به، وقد توافقه على الفور دون نقاشات أو مداولات أو تردد، هذا إذا لم تفرق بينه وبينك وتعتبره هو أنت، وأنت هو كائن واحد لا اثنين، وأنتما كذلك إلى حد ما لأنه في تكوينك، وإنما ليس بالضرورة ما يريده هو تريده أنت، فهذا الكائن الصغير محبا دائما للهو واللعب والراحة والاستجمام والمتعة والترفيه والرفاهية والتسالي ويكره الواجبات والقيود والالتزام والنظام، فوضوي وهمجي بطبعه.
ولا يقف أمام ما يريده أي وزاع ديني أو أخلاقي أو عادات أو تقاليد، ولا تتوضح لديه عواقب الأمور وتداعياتها في وقتها، يسير بدون تروٍ أو حكمة ويدفعك دفعا إليها، وإذا لم يُشّد على لجامه ويُكبح جماحه فمصير صاحبه الضياع.
فالكائن الصغير لا أحد يحاسبه أو يشير أصابع الاتهام إليه لأنه يتوارى في رأسك، فإذا حصلت نتائج سيئة يبادر بالتبرؤ من أفعالك، بل يصب عليك وابلا من التأنيب والشعور بالندم حين لا ينفع الندم. ويقول أنت الذي لم تلتزم بالخطوط الحمراء التي ما كان يجب تجاوزها، ويضيف قائلا كان يمكن عدم مجاراتي حين أمرتك بالسوء.
وكم من الناس ذهبوا ضحية كائنهم الصغير لأنهم أطاعوه في كل ما يأمرهم به في سبيل حصوله على مبتغاه من المتع واللذات الدنيوية الزائلة، يزين للناس طرق أبواب الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإدمان على المخدرات والخمور والسرقة والاعتداء على المال العام وغيرها من المحرمات.
يستدرجهم إلى طريق الباطل والدمار الذاتي شيىئا فشيئا بدون إدراك منهم أحيانا بأنهم متجهين إلى ذلك الطريق الخرب، لا متجهين في اتجاه الحق والرفعة والنجاح والتنميه والبناء.
وفي مجال مفتوح على العالم، اختلط الحق بالباطل، وضعفت القيم وضاعت، وغابت المفاهيم الصحيحة عن الناس، إلا مارحم ربي. نسأل الله للجميع السلامة، وندعوه بالقول “اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه”.

إلى الأعلى