الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / جاء نوفمبر .. ومعه دعوة للتفاؤل

جاء نوفمبر .. ومعه دعوة للتفاؤل

محمد عبد الصادق

” في الوقت الذي حرصت فيه السلطنة على بناء الدولة العصرية الحديثة المنفتحة على الثقافات والعلوم الحديثة والحضارات والشعوب من كل أنحاء العالم؛ تستفيد من التجارب الناجحة وتنقل ما يتناسب منها مع طبيعة وظروف عمان. شبت تجربة التنمية الاقتصادية والبشرية العمانية عن الطوق وأصبح هناك جيل كامل من العقول العمانية القادرة على استيعاب لغة العصر والتعامل مع التكنولوجيا المتقدمة و امتلاك المقومات اللازمة للتعامل مع التحديات والأزمات.”

يهل علينا شهر نوفمبر هذا العام بأجوائه المنعشة وطقسه المعتدل ليبعث فينا الأمل والرغبة في الانطلاق والتخفف من الهموم والخروج عن المألوف والرتابة التي حاصرتنا وأصابتنا بالخمول والملل الذي كابدناه طوال الشهور الفائتة, على أمل التخلص من صوت المكيفات وصمت الغرف المغلقة والفواتير التي تلهب ظهورنا, لنعاود الاحتكاك والتعاطي مع الطبيعة الرائعة التي حباها الله لعمان, اشتقنا إلى الأماكن المفتوحة والاستمتاع بالشواطئ الساحرة والمزارات السياحية المتعددة التي تزخر بها مدن وقرى السلطنة.
يأتي نوفمبر ليعلن انتهاء قيظ الصيف واختفاء الرطوبة التي جثمت على صدورنا وانتهاء “عام كبيس” شهد كثيرا من الأحداث التي أصابت كثيرين منا بالقلق على “مصادر الرزق ولقمة العيش ” .. عام منقضي صاحبه التوتر والخوف من المستقبل طغت فيه أنباء الحروب والاضطرابات السياسية والاجتماعية في العديد من بلادنا العربية وطالت كثيرا من المناطق حول العالم , ناهيك عن القرارات والإجراءات الاقتصادية المزعجة التي أطارت النوم من العيون.
حتى جاء نوفمبر وكأنه مرفأ للسكينة وراحة البال والتقاط الأنفاس بعد طول لهاث, نوفمبر الذي طالما زف البشرى وحمل التفاؤل وبعث الذكريات الجميلة لكل من عاش أومازال يعيش على أرض السلطنة الغالية, لارتباطه بذكرى الاحتفال بالعيد الوطني المجيد لعمان, وإطلالة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ التي تدخل البهجة والسرور والسعادة والطمأنينة على قلوب كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة, إطلالة تبعث الثقة والإيمان والتفاؤل بالمستقبل في نفوس الصغير والكبير وتعطيهم طاقة أمل لحياة أفضل في قادم الأيام.
ليجددوا عهود الولاء والوفاء لقائد المسيرة وباعث النهضة ويؤكدوا أنهم على الدرب سائرون ولتوجيهات القائد منصتون وواعون وعلى العهود باقون, وعلى مصلحة الوطن حريصون ولتراب عمان محافظون ولمسيرة النهضة والتنمية مكملون وللمبادئ والقيم التي أرساها جلالته على مدار سبعة وأربعين عاما من عمر النهضة المباركة مخلصون.
يقترب العيد الوطني السابع والأربعون وقد اكتمل بناء الدولة العصرية الحديثة التي رعاها جلالته ـ أبقاه الله ـ وأصر على أن تستكمل أطرها التنموية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية, لتقف عمان في مصاف الدول الكبيرة التي تتمتع بالاحترام والمصداقية من دول العالم, بمواقفها النزيهة الخالية من الأغراض والأطماع, المؤثرة في محيطها الخليجي والعربي والإقليمي والدولي, لتصبح موضع ثقة وترحيب للقيام بالوساطة بين الفرقاء و رأب الصدع وحل الأزمات بالطرق السلمية عبر التفاوض والحوار.
نجحت الدبلوماسية العمانية التي أرسى دعائمها جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ طوال الـسبعة والأربعين عاما من عمر النهضة المباركة في اعتماد سياسة خارجية ناضجة بمنأى عن الاستقطاب والأحلاف, وعدم الانجرار وراء الانفعالات والأهواء والمصالح الآنية, دبلوماسية منفتحة على العالم, حريصة على الخصوصية وامتلاك الإرادة واستقلال القرار الوطني والتأكيد على الهوية العربية والإسلامية وإقامة علاقات متوازنة مع الدول الشقيقة والصديقة.
حتى أصبحت الدبلوماسية العمانية مثالا يحتذى في كيفية إدارة العلاقات بين الدول, دبلوماسية تعتمد على الكفاءة والدراسة العلمية وتحليل المواقف والمعلومات والاستعانة بالكوادر الوطنية المؤهلة القادرة على التعاطي مع عالم قائم على المعرفة والقراءة الواعية المتخصصة للأحداث السياسية والاقتصادية, دبلوماسية نشطة لها كلمة مسموعة في التجمعات و المنظمات الإقليمية والدولية لتوصيل صوت عمان للعالم دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول, دبلوماسية ترفض الوصاية من الآخرين و التدخل في الشأن الداخلي العماني. دبلوماسية تقوم على الحياد الإيجابي وتسعى للسلام ونبذ الحروب.
حرصت السلطنة منذ بزوغ فجر النهضة المباركة على تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة ؛ فحافظت على أصالتها بصون تراثها المادي والمعنوي من القلاع والحصون والأفلاج والمساجد الأثرية والإرث الحضاري المسموع والمرئي والمحكي من أزياء وأكلات وفنون شعبية متفردة وعادات وتقاليد أصيلة ضاربة في أعماق التاريخ.
في الوقت الذي حرصت فيه السلطنة على بناء الدولة العصرية الحديثة المنفتحة على الثقافات والعلوم الحديثة والحضارات والشعوب من كل أنحاء العالم؛ تستفيد من التجارب الناجحة وتنقل ما يتناسب منها مع طبيعة وظروف عمان. شبت تجربة التنمية الاقتصادية والبشرية العمانية عن الطوق وأصبح هناك جيل كامل من العقول العمانية القادرة على استيعاب لغة العصر والتعامل مع التكنولوجيا المتقدمة و امتلاك المقومات اللازمة للتعامل مع التحديات والأزمات.
حضر نوفمبر وجاءت معه الأنباء المبشرة عن نجاح السلطنة في التعامل مع الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تدني أسعار النفط, واستطاعت وفقا للتقرير الصادر مؤخرا عن البنك المركزي العماني المحافظة على استقرار القطاع المالي دون المساس بسعر الصرف الثابت للريال العماني أمام العملات الأجنبية مدعوما بارتفاع إجمالي الاحتياطيات من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي العماني التي شهدت زيادة ملموسة في العام الفائت, رغم التحديات الكثيرة التي تمثلت في حالة الانكماش الاقتصادي وعجز الميزانية العامة للدولة وتراجع الحساب الجاري وميزان المدفوعات, ولكن ظل القطاع المصرفي العماني محافظا على قوته ونموه ليرتفع حجم الائتمان والملاءة المالية وارتفاع كفاية رأس المال, بفضل كفاءة الإدارة واتباع سياسات مرنة ومتدرجة لضبط أوضاع المالية العامة.
نريد قليلا من التفاؤل .. خصوصا مع تعافي أسعار النفط في نوفمبر ووصولها لـ 60 دولارا لأول مرة منذ ثلاث سنوات, ونأمل مزيدا من المرونة في الإنفاق الحكومي, فهناك قطاعات اقتصادية تضررت جراء تراجع الإنفاق وقلة الدعم الحكومي للمشروعات التي ينفذها أو يستفيد منها القطاع الخاص الذي مازال يعاني من تداعيات الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ 2014م , والتي أُغلقت بسببها كثير من المنشآت الاقتصادية, وأوقفت كثير من المؤسسات الخاصة أنشطتها لعجزها عن الصمود في وجه تراجع الإيرادات وزيادة تكلفة التشغيل, واستتبع ذلك فقدان وظائف وتوقف مؤسسات عن التوظيف, هناك مؤسسات خاصة تقوم بأدوار خدمية في مجال الثقافة والإعلام والتدريب, طالما ساهمت في مسيرة التنمية العمانية بالإرشاد والتنوير وتهيئة الرأي العام لتفهم سياسات الحكومة ورفع وعي المواطن للتعاطي مع القرارات والقوانين التي تهدف للصالح العام, هذه المؤسسات تتعرض لضغوط اقتصادية هائلة وتحتاج إلى عودة الدعم والإنفاق الحكومي لتتمكن من الاستمرار في أداء رسالتها الوطنية.

إلى الأعلى