الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : المواطنة الصالحة تعزيز لثقافة الانتماء

بداية سطر : المواطنة الصالحة تعزيز لثقافة الانتماء

خلفان المبسلي

حينما تبث قنواتنا المحلية صورا أو خطابا لجلالة السلطان المعظم نرفع كلنا أكف الضراعة والدعاء أن يحفظ الله سلطاننا ويقيه صروف الدهر وعادي الأزمان أما جدي وجدتي اللذان تزيد أعمارهم عن الثمانين عاما فإنهم عند مشاهدة السلطان تتساقط دموعهم وتهطل شوقا لرؤية السلطان وتلهج ألسنتهم وقلوبهم بالدعاء أن يبقي الله سلطاننا ويلبسه ثوب الصحة والعافية فيتغنون بحب السلطان وحب عمان، فيقيمون الدنيا ويقعدونها حين يبررون لنا أنهم يعيشون اليوم حياة هانئة تختلف اختلافا كليا عن حياتهم السابقة، فهم عاشوا حياة مليئة بالأحداث خلال الأيام الخوالي تنبئك بأنهم تعرضوا لمتاعب وصعوبات في الحياة آنذاك، وبين عهد اليوم الذي سابق التاريخ ورسم لوحة فنية لعمان أشرقت من خلال نافذة العام السابع والاربعين ربيعا.
جدي وجدتي عزموا على المسير في الثامن عشر من شهر نوفمبر الجاري احتفاء بأفراح الوطن وتقلد جلالة السلطان مسيرة الحكم الظافرة فهم مصممون أن يبثوا الفرح في أوساط الأسرة ويبهجوا القاصي والداني معبرين عن فرحتهم بأن السلطان قد بنى عمان وساس أركانها وبقيت محط أنظار العالم بعد أن ذاع صيتها إقليميا ودوليا لتبقى عمان مرفأ العيش الكريم ومسقط السلام في عهد جلالته ـ حفظه الله ـ فكانت جدتي تحكي والدموع تتساقط من على وجناتها قائلة :»لقد أصبحت عمان بلد السلام ، تستحق ذلك اللقب لأنها ربت جميع أفراد المجتمع في البلاد على التسامح والعفو والكرم ، فاعتبرتهم أبناء لها ، يفرحون لفرحها، ويتألمون لألمها ، فهي من أعانهم على تحمل مشاق الحياة إنني أتذكر جيدا ظروف حياتنا وأوضاعنا كيف كانت وكيف أصبحنا ، فالأمية كانت تتفشى في أوساطنا ، وأمراض تقذف بنا إلى قبور الموت ، وآلام تقض مضاجعنا ، وتأخر ثقافي واجتماعي في تلك الحقبة الزمنية ، كنت أقوم بتوليد النساء حين يحل المخاض بهن ، فأنا القابلة المولدة لهن ، تلك المهنة التي امتهنتها رغم أميتي، فكنت لا أحسن القراءة والكتابة.
لقد ظلت هذه الجدة وفية لبلدها رغم أنّ الزمن قد جار عليها حقبة زمنية طويلة إلا أنها أضمرت في نفسها أنّ الفرج قادم وأن السلطان قد أضاء بنوره البلاد. أمّا جدّي فقد كان فخورا بما تحقق على أرض عمان من بطولات تبقى خير شاهد على مر الأزمان بأن الأبطال الذين وقفوا بصدق في وجه الأعداء السالبين ؛ كانوا شوكة في حلق كل طامع في استيلاء الأرض والتاريخ والثروات، ينقل جدي الصورة كما هي وكأنه لا زال يعيشها بتفاصيلها حتى اللحظة، يتحدث عن الأبطال الذين اختاروا طوعا الدفاع عنها حتى أقصوا أضدادهم ، وتبعوا فلولهم وأفنوهم عن بكرة أبيهم ، فقد كانوا مثالا للشجاعة والرجولة .
حين يتحدث جدّي عن أبطال عمان يخالُ إلى كل مستمع إليه أنه يغوص في أعماق التاريخ ويشعر وكأنه كان ينفذ إلى داخل هؤلاء الرجال الأبطال ليتحسس مشاعرهم ويختبر أحاسيسهم فيطمئن لها المستمع لصدق ما يرويه ، يحدثك جدي عن نشأة البلاد وتطورها ، عن أعيانها وفقرائها ، عن ويلات ما حل بها، عن أفراحها وفواجعها وأحزانها، عن صعوبة العيش وتشعب الحياة سابقا لينتابنا الشعور بالفخر والاعتزاز بأبطال عمان وتغمرنا النخوة ونتمنى حينها لو أن السنوات تتسارع ليشتد عودنا فنكون خير أمة لهذا البلد الزاهر..
لقد اختزل أجدادنا الزمن فصاغوا التاريخ وألبسوه أساور من ذهب ليحل الأمان والاستقرار وترفل بلادنا عمان ثوب السعادة لنشاهد اليوم في العام السابع والأربعين مسيرة التنمية والبناء والتشييد عابقة في مخيلاتنا في صورة اختلفت كثيرا في ذهن جدي وجدتي والتي انعكست علينا فأثرت على تكويننا وغرست فينا حب الوطن فخورين ببلادنا، متوثبين للمساهمة في عملية التنمية والتطوير، تواقين إلى الأفضل، تهزنا الأحداث التي تجري هنا وهناك، مجسدين وحدتنا وانتماءنا لهذا البلد الآمن، مستلهمين تاريخنا وحضاراتنا متحفزين للآتي ، متأملين في حاضرنا فيرتسم المستقبل مشرقا وينعشنا النسيم القادم دون ريب. هي أحلام تراودنا من حين لآخر ، بل ربما هي الحقائق تنتصب أمامنا لأننا شعب ذو حضارة إنسانية وتاريخ حافل بالإنجازات ، لنا قيم ومبادئ وأهداف نبيلة ، طلاب سلم وأمان نمقت الدمار والخراب.
إنّ التاريخ بمحطاته المختلفة علمنا أنه كلما فرضت علينا نائبة كان ذلك شجاعة لقلوبنا العاشقة لتراب عماننا، فهنيئا لنا أيتها البلاد الحانية علينا، قابوس السلام والوئام، الذي بعثك إلى الحياة مجددا بصيغة مغايرة يبحث عن الأفضل لنا ولجدنا وجدتنا المستوعبين لواقعهما وتاريخهما واعيين لدورهما المتجدد ، لبناء مجتمع التنمية البشرية ونسج خيوط المستقبل الأفضل لأبناء عمان الأوفياء. ■
وكل عام والجميع بخير.

dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى