الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : المسكوت عنه في وعد بلفور

في الحدث : المسكوت عنه في وعد بلفور

طارق أشقر

قرع الإعلام العربي بمختلف أجناسه الإعلامية الأسبوع الماضي طبول المناحة تباكياً على ذكرى الوعد الذي قطعه وزير الخارجية البريطاني الأسبق، والذي سبق له أيضا شغل منصب رئيس الوزراء، آرثر جيمس بلفور، قطعه لما كان يعرف حينها بالاتحاد الصهيوني بأوروبا، بأن يكون لليهود وطن قومي في فلسطين.
وفيما تعتبر” المناحة “عند قدامى العرب، بأنها حالة هيستيرية من الضرب على الدفوف والطبول عند فقدان عزيز، فهكذا ظلت حالة الإعلام السياسي العربي في انتحاب مستمر وعزاء لم ينته حتى الآن، بل تتجدد أربعينياته كل ما مر عقد أو نصف قرن أو قرن على ذلك الوعد الذي صنف عربياً بالمشؤوم.
وعلى الجانب الآخر، بدى الإعلام الإسرائيلي المستفيد الأول والأخير عملياً من وعد بلفور منذ مائة عام مضت، بدى كمن يعبر عن فرحته بنتاجات وعد بلفور برقصة “ميتزفه تانتر ” المعروفة في الثقافة اليهودية كطقس تمارسه العائلات ممسكين ببعضهم البعض في حبل واحد في مناسبات الأعراس لديهم، حيث ظل الإعلام الإسرائيلي محتفيا بذكرى المائة عام على بلفور.
أما الإعلام الغربي، فقد كان مختلفاً الأسبوع الماضي عند حلول هذه المؤية، متأثراً في ذلك بما استجد من ظهور جماعات ضغط أوروبية، نبشت الغبار عن المسكوت عنه في وعد بلفور، وهو الجزء الذي يخص الفلسطينيين، وأهمية عدم المساس بحقوقهم المدنية والدينية والسياسية ، بما فسره البعض بأنه دعوة إلى إقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية تطبيقا كاملا لوعد بلفور حسب رؤيتهم .
ويستند هؤلاء إلى نص رسالة بلفو المعروفة بالوعد، حيث أشار النص: ( النظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وبذل غاية الجهد لتسهيل تحقيق الوطن على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر).
قد يرى بعض المراقبين العرب، بأن مجرد الحديث عن وجود وعد يهم الفلسطينيين في رسالة وعد بلفور الذي أتى بالشؤوم على فلسطين والمنطقة العربية، هو خيانة للقضية العربية، متأثرين في ذلك بأدبيات مرحلة الصمود والتصدي التي كانت سائدة خلال غمرة الصراع العربي الإسرائيلي، حينما كان للعرب واقع عملي يجسد مفاهيم مثل ما كان يعرف بوحدة الصف العربي، والمصير العربي الذي كان حلما نهارياً، وماكان يعرف بقوة سلاح النفط العربي، والقرار العربي الذي كان مستقلا وإلخ إلخ.
بينما يرى قطاع آخر من المراقبين أيضا، بأن نبش الغبار الداكن عن المسكوت عنه في وعد بلفور لربما يعتبر إدراكا متأخرا للاستراتيجية التي استخدمها الاتحاد الصهيوني قبل مائة عام ، وهي إظهار وتأكيد على أن الآخر يتغول على حقهم في الحياة .. ولكن دون تذلل لأن التذلل ليس من شيم العرب بالفطرة .. حيث يرى أولئك المراقبون بأنه بالإمكان استبدال الأسلحة والسهام العربية التي تكسرت بفعل المتغيرات السياسية التي طرأت على المنطقة العربية ، بسلاح آخر أكثر قوة في الراهن السياسي، ألا وهو سلاح التحدي بخوض غمار الحجج القانونية عبر جماعات الضغط السياسية والغوص في تفاصيل الكثير من الاتفاقيات والوعود السياسية كوعد بلفور، وإعادة النظر في أطروحات أممية قانونية سابقة مثل خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين عام 1947التي سبق أن رفضها العرب حينها رافعين سلاح المقاومة العسكرية.
قد يكون ذلك النبش محركا ولو بطيئا لانتزاع الحق الفلسطيني دون خنوع أو استسلام، خصوصا وأن العرب بتفاوضهم الرسمي مع إسرائيل واتفاقيات(السلام) التي عقدها بعضهم معها أكسبوها عمليا الشرعية التي بحثت عنها سابقا، وبالتالي أصبحت أكثر قدرة على المماطلة في أي تبعات أخرى للمفاوضات اللاحقة، فضلا عن أنها أكثر ثقة في قدراتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وأكثر قناعة بحالة الهوان والضعف والتفكك العربي المعاش . .. لذلك فلا ينبغي أن يموت الحق الفلسطيني في الحياة وفي إقامة دولة وبأي وسيلة حتى لو كانت عبر النبش في المسكوت عنه في وعد بلفور الذي مر عليه مائة عام حتى الآن.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى