Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

عندما يستأسد المسؤول .. ويصبح نصف إله

فوزي رمضان
صحفي مصري

” لا يهم المكان أو الزمان أو بطل الرواية هنا أو هناك ، ولكن عندما تتضخم فكرة المكانة في المجتمع أو تستفحل الأنا في نفوس البشر يتصارع البعض على الرتبة الاجتماعية الأعلى سواء المكتسبة عن طريق إنجازاتهم الشخصية أو المنتسبة عن طريق المناصب الموروثة والتي تنتقل إليهم عبر أشخاص بذاتهم وخاصة أبناء المسؤولين، عندما تتملك السلطة من هؤلاء البشر تصبح لديهم القدرة على فعل مايريدونه بغض النظر عن إرادة الآخرين،”

اصطحبت الطالبة الجامعية صديقتها إلى حيث تدرس في إحدى الكليات المصرية، وعلى مدخل بوابات التفتيش الأمنية أوقفتها مشرفة الأمن لتطبيق الإجراءات الاعتيادية والتحقق من الشخصية , ومن ثم سمحت لها بالدخول وأوقفت صديقتها كونها ليست ضمن طالبات الكلية، واحتدم النقاش وأصرت المشرفة على تطبيق القوانين الأمنية كاملة، بدون تمييز وفي خيلاء قالت الطالبة( ألا تدرِين أنا بنت مين) واتصلت بوالدها، وأخبرته بما حدث فطلب منها أن يهاتف المشرفة ليؤكد لها أن القانون لايطبق عليه لأنه مسئول كبير وعضو برلمان، لكن فشلت محاولاته أمام إصرارها على موقفها وخوفها من وقوع أخطاء أمنية تتسبب في كارثة، فاستشاط غضبا وتفجرت الدماء في عروقه، وقطع المكالمة الهاتفية مسرعا إلى سيارته وفي دقائق كان أمام ابنته التي اصطحبته إلى المشرفة ولم يناقش ولم يستفسر ولم يتكلم،ولكن ارتفعت كلتا يديه وهبطت على وجهها مكيلا لها اللطمات تلو اللطمات وسط ذهول الطلبة وغضب الإداريين، غير مكترث أنها امرأة وكونها موظفة عمومية في ساعات عملها الرسمي، وغير مهتم أنه يمارس قانون البلطجة داخل الحرم الجامعي وسط أجيال شابة تطمح للعلم والقيم، فقط اعتلاه الصلف والكبر والغرور، وانقلب دوره أن يكون خادما لشعبه إلى إجبار هذا الشعب أن يكون خدما له.
والحكاوى كثيرة …فماذا عن المسؤول الكبير الذي تعرضت زوجته للمضايقة من بعض الأشخاص، وماإن أبلغت زوجها إلا ويخضع أجهزة الأمن للتحري عن هذا الشاب وإمساكه، ويتم تلفيق قائمة اتهامات أقلها حيازة المخدرات، لينتهي مستقبل هذا الشخص إلى الأبد، ثم ماذا عن الشخص الذي اصطدمت سيارته بمركبة شاب ابن مسئول تقريبا كبيرجدا ويحتدم النقاش بينهما، إلا ويسحب هذا الشاب مسدسه ويفرغه في صدر هذا المسكين، وقبل أن تصل القضية إلى جهات العدالة خرج ابن المسؤول وقيدت الحادثة ضد مجهول..كيف الله أعلم!!
لا يهم المكان أو الزمان أو بطل الرواية هنا أو هناك ، ولكن عندما تتضخم فكرة المكانة في المجتمع أو تستفحل الأنا في نفوس البشر يتصارع البعض على الرتبة الاجتماعية الأعلى سواء المكتسبة عن طريق إنجازاتهم الشخصية أو المنتسبة عن طريق المناصب الموروثة والتي تنتقل إليهم عبر أشخاص بذاتهم وخاصة أبناء المسؤولين، عندما تتملك السلطة من هؤلاء البشر تصبح لديهم القدرة على فعل مايريدونه بغض النظر عن إرادة الآخرين أو على الأقل جعل تصرفات الآخرين تحت سيطرتهم، بل إنهم يمتلكون مقدرة التأثير على منفذي القانون أو تعطيل القانون ذاته، وعندما تتجذر السلطة في أعماق اللاشعور لديهم ، تصير النظرة فوقية واعتبار الأقل منهم نفوذا أو سلطة أو مالا ضمن الطبقات المهانة التي تنطبق عليها شريعة الغاب، حيث الحياة منبسطة لهم فقط لاغير.
لو أحصينا كم مسؤول في كم منصب في كم مصلحة حكومية يتحصن في سلطته الوظيفية أو يتكسب من منصبه القيادي أو يتعالى على العباد من خلال موقعه الرفيع المستوى، وماذا أيضا لو أحصينا كم مثقف أو أستاذ جامعي ممن يتحصنون في سلطة العلم أو الثقافة ويحتقرون البشر كونهم أكثر ثقافة وأعلى مرتبة علمية، فلن تستطيع بسهولة مناقشة من يتوهم أنه العالم الأوحد والمطلع المتفزلك والمتعمق الفذ والفريد عصره وزمانه أو كونه نصف إله، ستلاقي أعلى درجات الاحتقار والنظرة المتقزمة والترفع عن الحوار، ومن الممكن أن ينهي أستاذ جامعي مغرور مسيرة الطالب الجامعية أو يجعله يتخلف العام وراء الآخر، لمجرد التطاول بالنقاش الحاد أو الاختلاف في وجهات النظر أو كون سلوكه لايتماشى مع أدبيات البروفيسور، ففي معظم الجامعات العربية لاسلطة فوق سلطة الأستاذ الجامعي المسئول( إلا ماندر) خاصة في منح درجات التقييم للطالب، فله مطلق اليد في نجاح من يشاء أو رسوب من يشاء، مما جعل البعض منهم يحيد عن العدل والمساواة ويقترب من الفساد.
تختبر النفوس البشرية بالسلطات الثلاث سلطة النفوذ وسلطة العلم ثم سلطة المال وهي أخطر السلطات على الإطلاق فلاتقف أمامها أي سلطة أخرى كونها قادرة على شراء من يعرقل جموحها أو يعترض طريقها ، يستطيع أصحاب سلطة المال إخضاع أصحاب النفوس الضعيفة من ذوي المناصب أو سدنة العلم والثقافة إلى سلطانها ، لذا يعتبر رجل الأعمال أو المسؤول عن جلب المال هو صاحب أقوى ىسلطة على الإطلاق، وكلما تفحلت الأزمات الاقتصادية واستعصت الأمور المالية استفحل نفوذ وجبروت سلطة المال وتعاظمت مكانة رجل الأعمال ليتحول إلى نصف إله لو أراد .
بالمناسبة نصف إله هو الشخص الذي يجمع بين صفات البشر البيولوجية وبين صفة القدرة والمقدرة المنتسبة للآلهة وهو الكائن الخارق كما يوصف في أدبيات الميثيولوجيا القديمة وقد أطلق هذا اللقب على جلجامش وهرقل والحكاية أن أمثال هؤلاء قبل أن يصبحوا أنصاف آلهة، صاروا أنصاف بشر ونعتوا بالنصف وهو الشيء غير المكتمل …. فلم يخرقوا الأرض ولم يبلغوا الجبال طولا ..كل إلى فناء .


تاريخ النشر: 8 نوفمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/225736

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014