الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / رمضان والتوبة

رمضان والتوبة

من نعم الله على عباده أن كرر لهم مواسم الخيرات ، ونوّع فيها الطاعات .. مواسم تعود عليهم كل عام ، حينما يستغرق العبد في اللهو بالولد والمال ، وينسى ربه ، ويخل بشعائر دينه ، ويجتره الشيطان إليه ، فيمارس أنواعاً من المعاصي في غفلته وسكره ؛ يأتي رمضان فينبهه من غفلته ، ويقوده إلى ربه ، ويدعوه إلى تجديد توبته .
فرمضان جدير بأن تجدد التوبة فيه ؛ إذ فيه تكثر الحسنات وتمحى السيئات ، وتقال العثرات ، وترفع الدرجات ، لمن كان أهلاً لذلك ، لمن كان يعرف رمضان حق المعرفة ، ويؤدى فيه حق الله بإخلاص واجتهاد . وإذا كان العبد مطلوباً منه أن يتوب في كل وقت وحين ، فالتوبة في رمضان تتأكد ؛ لأنه شهر عظيم ، تتنزل فيه رحمات رب العالمين ، ويحتاج العباد فيه إلى الإقبال على الله تعالى ، فأين هم الذين أسرفوا على أنفسهم؟ وقضوا الأيام والليالي في العصيان؟ وقابلوا نعم الله بالكفران؟ وحاربوا الله في أرضه؟ ونابذوه في ملكه ؟أين هم فليتوبوا؟ وهل منا من يسلم من الخطأ ؟ ويبرأ من المعصية؟! كلا ؛ بل نحن الخطّآؤون العاصون ، لكننا نرجوا أن نكون من التوابين ،(فخير الخطّائين التوابون) ـ كما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم).
إن باب التوبة مفتوح فأين التوابون ؟ إن دين الإسلام ليس فيه واسطة بين العبد وربه ، كما هو الحال في ديانات أخرى ، يقرر فيها الحبر أو الراهب أن توبة العبد لا تقبل حتى يدفع إليه مالا فيأخذ صك الغفران . يحكم بقبول التوبة عندهم عبيد مثلهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً ، ياكلون أموال الناس بالباطل ، ويقودونهم إلى دار السعير . أما التوبة في الإسلام فهي بالمجان ، لايمن عليك راهب أو حبر أو كاهن أن هداك إن دفعت له أو فضحت نفسك بإعترافك له بذنبك ، التوبة عندنا لله وبين العبد وربه ؛ فالفضل فيها للهادي سبحانه وتعالى.
في الإسلام كل عبد يجد ما عمل ، ولا يحمل أحد إلا وزره ، ولا يتحمل العباد خطيئة أبيهم آدم ولا غيره كما هو الحال في ديانات أخرى ، لفت إنتباه أفرادها قول الله تعالى:(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فقادت هذه الآية بعضهم إلى الإسلام ؛ لإنه كان ثابتاً في دينهم أنهم مهما عملوا صالحاً فعليهم وزر الخطيئة الأولى ؛ لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألغى تلك الخرافات ، وجاء بالدين الصحيح من عند الله .
ليس في الاسلام يأس من رحمة الله تعالى مهما عمل العبد من المعاصي والفجور ؛ بل مهما اقترف من الشرك والكفر ، إذا تاب وآمن نال رحمة الله تعالى ، فالتوبة تهدم ما قبلها ، والإسلام يجُبُ ما قبله ؛ أي يلغيه وكأنه لم يكن ، فالإنسان يولد من جديد في رحاب الإسلام وفي رحاب التوبة .. واليأس والقنوط سلاح لإبليس يستعمله مع العاصي حتى يستمر على معصيته ؛ لكن الله رحيم بعباده ، رؤوف بهم يناديهم دائما مهما أسرفوا على أنفسهم (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) واليأس والقنوط من صفات الكافرين وليس من صفات المؤمنين (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) .
ومن عظيم رحمة الله تعالى بعباده ، وتفضله عليهم أنه يفرح فرحا شديداً بتوبة أحدهم مع أنهم إن أطاعوه لم ينفعوه شيئاً ، وإن عصوه لم يضروه شيئاً ، عن البراء بن عازب ـ رضى الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(كيف تقولون بفرح رجل رجل انفلتت منه راحلته تجرزمامها بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب ، وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شقّ عليه ، ثم مرت بجذل شجرة فتعلق زمامها ، فوجدها معلقة به؟ ) قلنا : شديداً يا رسول الله – يعنى يكون فرحه فرحا شديداً – فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (أما والله ، لله أشد فرحاً بتوبة عبده من الرجل براحلته) .. سبحان الله !! يفرح الله بتوبة عباده ، وهو غنى عنهم وهم فقراء إليه ، وهو قغادر فوقهم وهم عاجزون تحته ، يناديهم بالتوبة ويُعلّق فلاحهم عليها ، فهل يأبى ذلك إلا الخاسرون (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
ومهما كرّر العبد الذنوب ، فإن عليه أن يتوب ، ويصدق في توبته مع الله تعالى حتى لا يكون كذاباً .. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: (أذنب عبدٌ ذنباً ، قال : اللهم اغفر لى ذنبي ، فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبا ، علم أن له رباً يغفر الذنب ، ويأخذ بالذنب ، ثم عاد فأذنب ، فقال: أي رب اغفر لى ذنبي : فقال تبارك وتعالى : عبدي أذنب ذنبا ، علم أن له رباً يغفر الذنب ، ويأخذ بالذنب ، اعمل ماشئت فقد غفرت لك) ـ رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم .. قال الإمام المنذري تعليقاً على هذا الحديث : ” معناه والله أعلم : أنه مادام كلما أذنب استغفر ولم يصرّ عليه ولم يعد إليه ؛ بدليل قوله : ثم أصاب ذنباً آخر – أي من نوع آخر من الذنوب – فليفعل إذاً كان هذا ما عمله ليس نفس الذنب لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره ، لا أنه يذنبُ الذنب فيستغفره منه بلسانه من غير ترك للذنب أو إقلاع عنه بل يعود إليه ، فهذه توبة الكذّابين ” .
ومن تاب إلى الله تعالى فإن الله يحبه ويقرّبه ، فيكون من أوليائه ، قال بعض العلماء : دعوت الله سبحانه وتعالى ثلاثين سنة أن يرزقني توبة نصوحاً ثم تعجبت في نفسي وقلت : سبحان الله ، حاجة دعوت الله فيها ثلاثين سنة فما قضيت إلى الآن ، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي : أتعجب من ذلك ؟ أتدري ماذا تسألُ الله تعالى ؟ إنما تساله أن يحبك ، أما سمعت قول الله تعالى :(إن الله يحبُ التّوّابينَ ويُحبُ المتطهّرين) .
والتوبة سبب لتبديل السيئات إلى حسنات ، تنقلب صحائف العاصي التى سودها بالسيئات إلى صحائف بيضاء من تبديل الله لها بالحسنات ، وهذا والله فضل وعطاء لا يكون إلا من الله الكريم ؛ فهو لا يغفر الذنوب فقط بل ويبدلك برصيدك السيئ رصيدا حسنا ، فتبدأ حياتك بعد التوبة وأنت تملك رصيداً من الحسنات لا يجعلك تتاخر عن إخوانك – تصور أنك مدين لإنسان بمليون ريال ، ثم تذهب إليه وتقول له ليس عندي ، فيعفيك من هذا الدين ، ثم يعطيك مليوناً أخرى لتستعين به على شؤون حياتك – هل يمكن أن يحدث هذا ؟؟!! مع الله وعند الله يحدث .. بل وزيادة .. واستمع معى إلى القرآن وهو يؤكد هذا المعنى فيقول سبحانه في سورة الفرقان (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).
ولا تتحقق توبة العبد حتى يقلع عن الذنب ، ويعزم عزماً صادقاً على أنه لا يعود إليه أبداً . أما إن كان يستغفر بلسانه ، وقلبه يتحرك لفعل المعصية ، ونفسه تراوده إليها ، فتلك توبة من فسد قلبه ، ويُخْشى عليه أن لا تقبل توبته .
وعلامة العزم على عدم مقارفة الذنوب : الندم على ما سلف منها ، يبكي على ذنوبه ، ويندم على ما اقترفت يداه . يندم على مسارعته في المعصية ، وتقصيره في الطاعة . قال عمر بن ذر ” كل حزن يبلى إلا حزن التائب على ذنوبه . وما ذاك إلا لأنه يتخيلُ قبح ذنوبه ، ويتأمل عظمة الله تعالى في خلقه ، فيطير قلبه من هول ذلك ، كيف ارتكب القبائح في حق من اتصف بهذه العظمة والجبروت ؛ فيقطّعه الندم على ما سلف ، ويقوده ذلك إلى المسارعة في الخيرات ، واكتساب الحسنات . ومن كان محسناً فإنه يتوب ويندم على أنه لم يزدد إلى إحسانه إحساناً ، فهذا دأب الصالحين في كل زمان ومكان ، هذا انس بن النضر رضى الله عنه يفوته القتال في بدر مع ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج لقتال ؛ ولكن القتال حدث بعد ذلك إرادة من الله تعالى ، كما قال تعالى ( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمراً كان مفعولا ) وبعض الصحابة كانوا في المدينة لا يعلمون أن هناك ثمة قتال ، ومنهم أنس بن النضر ، فيظهر عليه التأثر والندم على عدم حضوره بدراً ،فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم : ” يارسول الله غبت عن اول قتال قاتلت فيه المشركين ، والله لئن أشهدني الله قتالهم ليرين ما أفعل ” هكذا قال رضى الله عنه ، وسجل ندمه على ما فات ، فكانت نتيجة هذا الندم عزما على قتال المشركين بشدة ، وتأتي أحدٌ وتكون النتيجة أن وُجِدَ في جسد انس رضى الله عنه بضعة وثمانون جرحا ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ، وما عرفه أحد إلا اخته عرفته بعلامة كانت في بنان أصابعه رحمه الله ورضي عنه ؛ وذلك بسبب إقدامه وتفانيه في قتال المشركين ، وفيه وفي أمثاله من المجاهدين الصادقين نزل قوله تعالى ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) .. نعم ، صدقوا والله في توبتهم وفي ندمهم فتاب الله عليهم لأنهم من الصادقين ( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) صدقوا ولم يتكلموا كثيراً ، لكنهم صدّقوا مقالهم بأفعالهم . ونحن قد نتكلم ونعزم على التوبة ، ويظهر منّا ندم ما على الذنوب ؛ لكننا قد نضعف أمام إغراءات الشيطان في هذا الشهر المعظم ، وربما أعجبنا السهر إلى السحر في مجالس اللهو والغفلة والحرام أمام الشاشات أو في ما يطلق عليه الخيمات الرمضانية ، بينما يقف العباد في صلوات القيام والتهجد ؟؟ فهل يستوى هذا مع ذاك ؟؟ وهل نقول أننا نتوب ، فهل هذه توبة ؟ … قال أحد الصالحين ” علامة التوبة : البكاء على ما سلف ، والخوف من الوقوع في الذنب ، وهجران إخوان وأصدقاء السوء ، وملازمة الأخيار والرفقاء الصالحين الذين يعينونك على الطاعة ” … فهل توجد هذه العلامات في توبتنا ؟ أم ما زلنا لا نخاف من الذنب ، ولا نهجر إخوان السوء ؛بل نهجر الأخيار … سبحانك .. ما أعظم ذنوبنا وما أقل شكرنا .. نسألك اللهم ان تعفو عنا وأن تردنا إليك رداً جميلاً ، وأن تصلح ما فسد من قلوبنا وأنت القائل سبحانك (وإني لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدى ) .. هذا هو فضل التوبة ، وهذا شهر التقوى ، وإنما تنال التقوى بالتوبة ، فتوبوا إلى الله في هذا الشهر العظيم ؛ فربكم يناديكم بها ويغفر الذنوب مهما عظمت ، وشهركم شهر المغفرة والرحمة والعتق من النار ، اللهم تب علينا ، وارزقنا التوبة النصوح يا رب العالمين …..
نسأله سبحانه أن يوفقنا لمراضيه وأن يجنبنا مناهيه ، وأن يجعل مستقبل حالنا خيراً من ماضيه ، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين ….

أحمد محمد خشبه
إمام وخطيب جامع ذو النورين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى