Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

في العمق : مؤسساتنا الخدمية وعائق الإجراءات

مع كل الدعوات والمبادرات الوطنية الساعية إلى تعزيز التنافسية المؤسسية عبر اختصار الإجراءات ومعالجة الممارسات الإدارية الروتينية، في سبيل بناء ثقافة مؤسسية قادرة على استيعاب سرعة التحولات الحاصلة في الخدمة العامة؛ والمساحات التي يفترض أن تمنحها للقيم والأخلاقيات، والمنهجيات والأدوات، والأطر التصحيحية والبرامج التطويرية، والتوجهات الساعية لتوفير مناخ عمل يقوم على تعزيز كفاءة الممارسة الإدارية بالمؤسسات الخدمية وفق معايير الجودة والمرونة والشفافية؛ إلا أن واقع العمل يشير إلى بروز البيروقراطية الإدارية وعقم الإجراءات في الواجهة، لتضع المواطن بين المطرقة والسندان؛ يعاني من آثارها السلبية على واقعه الاجتماعي وحياته الشخصية كحالة التذمر والتشاؤم والامتعاض وغيرها كثير، ضاربة بكل المعايير والأخلاقيات والتوجهات التطويرية في هذا الشأن عرض الحائط؛ فأصّلت لمنحى الاتكالية في العمل، والبطء في الإنجاز، والتدني في جودة المنجز، وأتاحت لممارسات خرجت عن عرف الفضيلة والأخلاق، وانتجت واقعا مغايرا لهدف الجودة، ورؤية الدولة، كالتسيب والازدواجية والتهرب من المسؤوليات والرشوة والمحسوبية وغيرها، حتى أفقدها موقعها في ثقة المواطن وتقديره، ولعل ما يمكن رصده من حالات الاستياء أمام محطات الخدمة بالمؤسسات الخدمية أو في شبكات التواصل الاجتماعي؛ مؤشرات للبحث عن موجهات أكثر ضبطية في التعامل مع هذا الواقع، وتعزيز المحاسبية والمساءلة الإدارية بطريقة أكثر اتساعا وشمولية وأعمق تأثيرا وقدرة على التعامل مع ما يعانيه طالب الخدمة من تحديات وما يواجهه من تعسفات إدارية لا مبرر لها.
وعليه تأتي أهمية إيجاد إطار وطني للمحاسبية والمساءلة وتفعيل منظومة جهاز الرقابة الإدارية والمالية للدولة بشكل أفضل وأكثر احترافية، يتسع دوره ليشمل كل الممارسات الإدارية والمالية والتنظيمية الحاصلة في مؤسسات الخدمة، على المستوى المركزي لها أو على مستوى الإدارات التابعة لها في المحافظات والولايات، بالشكل الذي يضمن تحقيق مستويات عالية من المتابعة والضبطية لهذه الممارسات، وتعزيز مسار الشفافية والمصداقية والوضوح فيها، ومساءلة كل الحالات الفردية أو الجماعية، المتسببة في تكريس البيروقراطية الإدارية، أو المتسببة في تأخير المعاملات، وفق مسار إداري وتنظيمي واضح وأدوات مقننة واستطلاعات رأي، ورصد لكل الممارسات التي تبرزها شبكات التواصل أو شكاوى المواطنين حول عمل هذه الجهات، بحيث يظهر للمواطن نتائج عملها، وتقدم له الآليات التي تمت في التعامل مع هذه الحالات، والمساءلة القانونية لأي مؤسسة خدمية يثبت سعيها لتأخير معاملات المواطنين، ووضع الموظفين أمام رقابة مؤسسية صارمة، وإيجاد آليات واضحة يمكن أن يصل خلالها صوت المواطن لهذه الجهة الوطنية العليا.
على أن الأمر يرتبط أيضا بالمساحة الممنوحة للتثقيف والتوجيه وتوصيل التعليميات والتوجيهات للقائمين على الخدمة بالمحافظات، ومدى حصولهم عليها بالشكل الذي يضمن فهمهم لمحدداتها وإدراكهم لآليات تطبيقها، وهو ما نعتقد بأنه أحد الأسباب المؤدية إلى عرقلة الاجراءات الناتجة عن عدم فهم القائم بالخدمة للشروط والضوابط أو إدراكه للمضمون العام للبنية التكاملية للمستندات والوثائق والاشتراطات المطلوبة، وبالتالي تعزيز مساحات الوعي وترسيخ الأنظمة وآليات العمل لدى الموظفين، وخلق رقابة إدارية وتنظيمية نافذة لمتابعة عمل الاقسام التنفيذية أو محطات الخدمة الواحدة كما هو الحاصل في المؤسسات الشرطية والأمنية؛ فإن المطلوب اليوم هو جهد رقابي وطني فاعل يضع حدا لهذه الممارسات التي باتت تسيء إلى جهود التنمية، وتتجانب مع حرص الدولة نحو التيسير على المواطن، واختصار الإجراءات لتشكل رؤية الحكومة الإلكترونية عبر توظيف التقنية والبرامج الإلكترونية بالمؤسسات مدخلا عمليا فاعلا، للحد من هذه الممارسات، في ظل توفير الموجهات الضبطية القضائية والقانونية والرقابية؛ فإننا نؤكد في الوقت نفسه على أهمية وجود مكتب مستقل للتدقيق الإداري والمساءلة والمحاسبية تتبع رئيس الوحدة المركزية مباشرة في كل الإدارات والدوائر التابعة للوزارات الخدمية بالمحافظات، مع الاستفادة من كل ما يرد في دوائر خدمات المراجعين أو عبر رصدها لما يكتب في الصحف اليومية أو شبكات التواصل الاجتماعي بالشكل الذي يمكن خلاله احتواء هذه الإشكاليات وإعادة توجيهها وخلق مساحات أكثر فاعلية للبث فيها.
وهنا أوجه دعوة لكل الوزارات الخدمية، فمع التقدير لجهودها إلا أن عليها الوقوف على واقع العمل بالمحافظات وإيجاد آليات ترصد التجاوزات الحاصلة في هذا الأمر وبخاصة: وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه، ووزارة الإسكان، ووزارة القوى العاملة، ووزارة الزراعة والثروة السمكية، وبلدية مسقط؛ على أهمية البحث عن أطر تصحيحية، ومسارات عمل واضحة تخرجها من حالة التأزم والعقم الحالية التي تمارسها في طريقة تعاملها مع قضايا المواطن، والإجراءات غير العقلانية التي تطلب من بعض الموظفين ممن لهم سلطة في الأمر، والتي قد لا تتوافق مع توجهات المؤسسات ورؤيتها إلا أن استمراريتها تعبير واضح عن رضاها بذلك وإقرارها به، وأن تكون المحطات الواحد مسارا يستهدف التقليل من هذه الإجراءات، وليس تدويرا لعمليات بيروقراطية متكررة بطريقة أخرى.
وإن كلمة شكر وتقدير واجبة في حق شرطة عمان السلطانية، وما أفصح عنه واقع العمل الشرطي من صدق التوجه، نحو التزام هدف الحكومة من اختصار الإجراءات والتسهيل على المواطن، ويستمر هذا العطاء المتجدد عبر ما تتيحه من مبادرات وفرص وتوجهات تطويرية تجد من المواطن والمقيم الاستحسان والرضا والتقدير، وإن كان لمؤتمر التواصل الحكومي في أكتوبر المنصرم من أهداف؛ فإن الاستفادة من التجارب الوطنية الناجحة، والتجربة الرائدة لشرطة عمان السلطانية في هذا المجال، منطلق يعزز مساحات الثقة؛ ويرسم محددات الوصول إلى هدف الإنجاز، فهل سنشهد قادم الوقت توجهات من هذا النوع؟

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com


تاريخ النشر: 8 نوفمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/225867

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014