Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

التاريخ .. بين استفتاء كتالونيا وسقوط الأندلس

جودة مرسي

إنها قصة لو يعلم العاقلون لعظيمة، قصة توحد العرب والمسلمين ونشرهم للدين الإسلامي دين العدل والسلم والحضارة في أوروبا، وحين اختلفوا وتفرقوا كانت النهاية الحتمية التي أدت لجلب الاستعمار والإذلال والضعف والخروج من قائمة التاريخ.

التاريخ يشهد على سقوط العرب والمسلمين في أوروبا بأيديهم، كما يشهد أيضا أننا الآن لسنا بحال أفضل من ذي قبل، فالأطماع تتوجه بقوة إلينا، ونعود إلى التاريخ الذي يشهد بتقدمنا الحضاري في شتى المجالات حين حكم العرب والمسلمين الأندلس ثم غرتهم قوتهم، وفرقهم تجبر الحكام وحاشيتهم وصراعهم على الغنائم والحكم، فانهارت امبراطوريتهم، وبقي ذكراها في التاريخ فقط، لنبكي أطلال ماضٍ مجيد تبدل معه حالنا، وحين نقتبس من مقدمة ابن خلدون قوله ((إذا ما تبدلت الأحول بالجملة، فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم وكأنه ولد من جديد)) فأزعم وأزعم أن زعمي يقين بأن ما بدل حالنا جملة وتفصيلا هو ما أوصلنا إلى ضياع مجدنا في الأندلس، وهو نبراس ما زلنا على دربه نسير يختصر في كلمة (الخلافات).
ودائما ما تحمل لنا إسبانيا الدروس القاسية التي أثقلتها هذه الأرض المشرقة التي تمتلك جزءا من تاريخ تلك القارة العجوز التي تلحفت بوحدة المصير، دروس تحمل ما هو تاريخ، وما هو صانع للتاريخ، فبالأمس القريب كان يأمل سكان إقليم كتالونيا الانفصال وانتهى بإجراء استفتاء شهد إقبالا وحماسا منقطع النظير من سكان الإقليم الشهير برواجه السياحي، وبأعظم فريق لكرة القدم، وقابل هذا الاستفتاء رفض قوى من الحكومة الإسبانية التي ترفض استقلال الإقليم، وبعد استفتاء تم أمام عصى شرطية من الدولة الأم ووقوف أممي صامت عن إهدار لحقوق الإنسان عكس المواقف السابقة ـ فُصِّلَ جنوب السودان ـ وتأييد لرفض الانفصال خوفا من شبهة الانتقال لدول أخرى مهيأة لمثل هذا التقسيم، فانتهى المقام بإقالة حاكم الإقليم كارليس بوجيمون وهروبه وأعضاء من حكومته إلى بلجيكا.
ونذكر أن في التاريخ مجدا إسلاميا عربيا شهدته أوروبا، وفي القلب منها إسبانيا ويحمل لها كل مسلم بقايا أحلام لم يعشها منذ العام 1492م حين سقط الحكم العربي الإسلامي للأندلس والذي استمر قرابة 781 عاما بداية من نزول طارق بن زياد إلى أرض إسبانيا.
وكانت بداية الفتح الإسلامي أيام حكم الخلافة الأموية في عام 711م، على جيش صغير من العرب والبربر تحت قيادة القائد طارق بن زياد بأمر من القائد موسى بن نصير، واستمر حكم الأمويين فيها حتى عام 132م، ومع بداية الخلافة العباسية تمكن المسلمون من الاستيلاء على باقي أراضي أيبيريا باستثناء الركن الشمالي الغربي منها في عام 718م.
لتشهد الأندلس أعظم الحضارات في تاريخ الإسلام والمسلمين، وكانت منارة في كل أمور الحياة التي تعطى الدلالة في الرقى على مستوى الفكر والثقافة التي وصل إليها العرب والمسلمون عبر تاريخهم، وعلى جميع المستويات والأصعدة، من الطب إلى الدين، ومن الهندسة والعمارة إلى الفنون والشعر والموسيقى، ومن العلوم الإنسانية إلى الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك، وغيرها من المجالات.
ثم جاءت فترة الخلافات التي عصفت بحكم العرب في الأندلس، حيث بدأت الأطماع، وظهرت الخلافات التي ازدادت تدريجيا إلى أن وصل الحال بتقسيم الأندلس إلى أكثر من عشرين دويلة صغيرة، ودائما ما ينتظر الأوروبيون اللحظة السانحة التي تهيئها لهم أيادي الخلافات حتى ينقضوا على هذه الدويلات ويحتلوها ويغتنموها.
ومع ظهور دولة المرابطين التي تخلصت من أطماع الأوروبيين فضمت إليها الأندلس، وبعد فترة انتقل حكم الأندلس من دولة المرابطين إلى دولة الموحدين، ثم تأسست دولة بني الأحمر في غرناطة، حيث كانت هذه المرحلة الأخيرة قبل السقوط النهائي للدولة الإسلامية في الأندلس، إلى أن سقطت نهائيا على يد فرناندو الثاني في العام 1492 ميلادية.
إنها قصة لو يعلم العاقلون لعظيمة، قصة توحد العرب والمسلمين ونشرهم للدين الإسلامي دين العدل والسلم والحضارة في أوروبا، وحين اختلفوا وتفرقوا كانت النهاية الحتمية التي أدت لجلب الاستعمار والإذلال والضعف والخروج من قائمة التاريخ. إن إسبانيا أو الأندلس أو غرناطة؛ أيا كان اسمها ستظل رمزا لتاريخ توحد فيه الهدف وقوة العقيدة التي إن تحققت لتحقق معها الانتصار والتصدي لأطماع الآخرين، أما إذا سادت الخلافات ستؤدي حتما إلى الفرقة لتكون النهاية في الدرك الأسفل من كتب التاريخ.


تاريخ النشر: 9 نوفمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/226000

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014