Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

الوفرة ونضوب الإبداع

د.احمد مصطفى

”لم ينقطع الإبداع في مجال نشاط البشر الاقتصادي، وإن تباطأ وأصبح تكرارا إلى حد ما في العقود الأخيرة التي شهدت صعود ما سمي “الاقتصادات الناشئة” والتي كانت ضمن الاقتصادات النامية وبدأت في التطور على خطى الاقتصاد الرأسمالي. مع ذلك، ما زال الابتكار والإبداع في المجالات المؤهلة لذلك النشاط بوتيرة أقل كثيرا: على سبيل المثال في مجال التعليم والتدريب المهني.”

لسنا بحاجة لتسطير مجلدات تتحدث عن فوائد التكنولوجيا والابتكارات الجديدة لتسهيل حياة البشر على الأرض، فشركات التسويق والعلاقات العامة والإعلام وحتى مراكز الأبحاث والعمل الأكاديمي في الجامعات والمعاهد يقوم بهذه المهمة. ولعل الأخيرة أيضا تعرج على بعض سلبيات تلك التطورات على حياة البشر، وإن اتهمت بأنها “تفكير قديم” يفتقر إلى الخيال وهضم التطور. ومع تراجع اهتمام الحكومات بالبحث العلمي، واعتماد الجامعات والمعاهد والمراكز على منح وهبات ودعم وتمويل الشركات وقطاعات الأعمال، أصبحت أغلب تلك المراكز قنوات تسويق وترويج ـ وإن غلف في أغلب الأحيان بغلالة علمية. حتى تلك الدراسات والمسوح التي قد تركز على جانب سلبي لمنتج تكنولوجي جديد ـ خاصة في مجال التكنولوجيا الحيوية والعلاجات الجديدة للأمراض ـ قد تكون في بعض الأحيان ممولة من بزنس آخر يريد الحفاظ على مصالحه السوقية التي يهددها الابتكار.
لكن كل ذلك لا يعني أن البشرية ليست مستفيدة من تطور التكنولوجيا، أو أن الابتكار لا يسهل حياة البشر ويمكنهم أكثر من تطوير حياتهم على الأرض. وكم من ابتكارات كانت بحثية صرفة أصبحت ذات قيمة تجارية واقتصادية كبرى، وكذلك العكس إذ تبدع الشركات في ابتكار أنماط استهلاك جديدة تحافظ على منحى زيادة مبيعاتها وأرباحها فتطلق في الأسواق ما يفيد البشر ويحسن طريقة معيشتهم. والأمثلة كثيرة على هذه وتلك، ولا حاجة للتفصيل والتكرار في هذا المجال. وإذا كان المثل الشعبي القديم يقول “الحاجة أم الاختراع”، فإن الوفرة والفائض يؤدي أيضا لاختراع ما هو جديد يستهلكه البشر بدلا مما توفر وفاض. وإذا كان الاختراع يتطلب خيالا وإبداعا، فالمنطقي أن كل منتجات التطور التكنولوجي تستند إلى خيال وإبداع. لكن هل هذا هو الحال فعلا؟

لم ينقطع الإبداع في مجال نشاط البشر الاقتصادي، وإن تباطأ وأصبح تكرارا إلى حد ما في العقود الأخيرة التي شهدت صعود ما سمي “الاقتصادات الناشئة” والتي كانت ضمن الاقتصادات النامية وبدأت في التطور على خطى الاقتصاد الرأسمالي. مع ذلك، ما زال الابتكار والإبداع في المجالات المؤهلة لذلك النشاط بوتيرة أقل كثيرا: على سبيل المثال في مجال التعليم والتدريب المهني. وربما هذا ما جعل عددا من الدول تطرح مبادرات لتطوير ثوري في التعليم وباستخدام الذكاء الصناعي والروبوت المعلم. وتبقى المشكلة أن الإبداع والابتكار يركز على الآلة أكثر منه على عقول البشر، وهذا ما جعل كثيرين يستعيدون مقولات فلاسفة ومفكرين قدماء تحذر من خطر التكنولوجيا على تفكير البشر. وللأسف فإن المطورين والمبتكرين يعززون تلك المخاوف بمقارناتهم بين الذكاء الصناعي والذكاء البشري، وكيف أن برامج الحاسوب (الكمبيوتر) يمكن أن تقوم بما لا يقدر عليه العقل البشري مهما كانت حدة ذكائه. صحيح أن تلك المخاوف تتضخم بسبب القلق الطبيعي من كل ما هو جديد، وبسبب الهوة بين الجيل، التي تزداد اتساعا مع تطور التكنولوجيا ووفرة المعلومات. وربما تكون تلك النقطة الأخيرة الأهم والأخطر.
فالأرجح أن القدماء الذين حذروا من خطر التكنولوجيا على العقل البشري كانوا يعنون قدرة ذلك العقل على الإبداع الفكري والتطور الذهني، وربما لهذا السبب يثور اللغط بأن من يحذرون من ضرر الوفرة على الإبداع هم “عقول متحجرة ضد التطور”. ولنحاول معا الإجابة على بعض الأسئلة المباشرة، من قبيل: إلى أي مدى أضرت ويكيبيديا بالبحث العلمي؟ إلى أي مدى أثرت محركات البحث على التفكير النقدي والاستنتاج والاستدلال المنطقي؟ بل وعلى نشاط العقل بشكل عام. مرة أخرى، تقول الحكمة الشعبية الجمعية “العضو الذي لا يستخدم يضمر”، وإذا وفرت عليك الإنترنت ومحركات البحث عمل خلايا الذاكرة والربط المعلوماتي في المخ، فإن تلك الخلايا قد لا تضمر لكن ربما يستفاد بها في نشاط آخر للمخ. ومع استمرار عدم استخدامها في تلك المهام يصعب بعد ذلك استعادة قدرتها على القيام بوظيفتها الأساسية.
يختلف الأمر هنا عن تلك المخاوف من فقدان العقل البشري للقدرة على العمليات الحسابية الأولية مع ابتكار الآلة الحاسبة. وربما يعود ذلك أيضا إلى أن الأطفال في سنوات التعليم الأولى عليهم تعلم الجمع والطرح والضرب والقسمة بالطريقة التقليدية دون استخدام الآلة. وليس القصد هنا فقط العمليات الحسابية، بل تعويد الذهن في مرحلة مبكرة على أساسيات المنطق، وإجراء العمليات التي تتطلب معلومات وربطها والوصول لخلاصة من مقدمات تؤدي إلى استنتاجات. ذلك هو الإبداع الذي ينضب فعلا بفضل الوفرة المعلوماتية وابتكارات التكنولوجيا التي تحل محل نشاط البشر. ولعل هذا ما يفسر ببساطة نهاية زمن الفلاسفة الكبار، والأفكار الإنسانية الكبرى .. فلم يعد هناك مجال ولا قدرة ولا مناخ يؤدي إلى ذلك الناتج الإبداعي. ثم ستجد الأجيال الجديدة تقول لك إن كل ذلك “متوفر على الإنترنت يمكننا الوصول إليه بضغطة زر أو لمسة شاشة.
لكن، مرة أخرى لا تفيد تلك الوفرة في تأهيل البشر للإضافة في مجال الإبداعي الفكري والفلسفي. ببساطة لأن تلك الوظيفة في الذهن البشري معطلة إلى حد ما. وهنا تصبح الوفرة بلا معنى.


تاريخ النشر: 9 نوفمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/226022

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014