السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: عمان .. مدرسة التوازن

باختصار: عمان .. مدرسة التوازن

زهير ماجد

ثمة مشهدان مختلفان متضادان في منطقتنا العربية .. الأول متوتر وقلق ومدمر وحرب وخراب، والثاني هادئ ومتزن ومتوازن ومستقر، لا بل يلعب أدوارا تشبهه من أجل أن يجعل هذه المنطقة شبيهة به أيضا.
وعندما أقول الثاني فأنا أقصد تماما سلطنة عمان، القطر العربي الجالس بكل هدوئه على مسافة من الضجيج الذي يجري حوله، وفي البعيد عنه.
الكل صار يعرف من تكون سلطنة عمان، وكيف خطت تاريخا من التوازن قل نظيره في هذا العالم، وحافظت عليه لأنه مدرستها وعنوانها وقيمها واعتقادها بأن لا عيش سليما للدول إلا إذا اختطت الدور ذاته، كي تجعل من نفسها مثالا يحتذى.
منذ طلقة النور التي أطلقها جلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ في مطلع السبعينيات، كان هنالك ثبات أن يجعل من فكر السلطنة نموذجا لعالم هادئ ومستقر بعيد عن الصراعات التي ثبت انها لاتؤدي الا الى الصراعات والمزيد منها، وإلى الفوضى التي توصل إلى تخريب الدول والمفاهيم والأفكار وتؤسس لعالم غير مستقر وباحث دائم عن علاج قد لا يجده في مفاهيم الفوضى المماثلة.
نجحت عُمان بفضل إصرار جلالته على فكرته النيرة تلك، مما جعل منها وطنا هيبته باستقراره، قوته بهدوئه، فكان أن تراكم هذا الواقع بالمزيد منه، حتى باتت السلطنة عنوانا للكثير من الدول التي تسعى للإمساك بالمفاهيم ذاتها، فكان خير ما قدمته السلطنة لهذا العالم ما بحث عنه طويلا، فوجده لغة السلطنة وقيمها الحضارية وعلمها الذي ما تخلت عنه بل صارت فيه مدرسة وهو التوازن بكل أبعاده ومفاهيمه.
ما أن تذكر عُمان اليوم حتى يتبادر إلى الذهن فورا، أنها أم الثوابت الناجحة في عالم يتخبط، ويتصارع، ويتناكف، ويتقاتل، ولا تقف فيه شهوة السيطرة عند حد. بل ما أن تذكر عُمان، حتى يبدأ الجواب بالتحية لها على قيمها التي حافظت عليها، وكيف أنها أبحرت بهدوء وسط عواصف محيطة، بل كيف كانت قناعتها الراسخة بقيمها وسط عالم لا يقف عند حد وتسوده الأطماع.
قدمت عُمان حبا لإنسان هذا العالم، في الوقت الذي كانت فيه الكراهية سائدة، وقدمت مساهمات خيرة من أجل إطفاء نيران بعضها اشتعل وبعضها قيد الاشتعال، وحاولت دائما أن تمسك العصا من الوسط معرفة منها بأن ضمير الحروب متأصل في هذا العالم، بل هو الأساس الذي يحكم دولا كبرى وغير كبرى.
في تلك الزاوية من الجزيرة العربية التي تدعى سلطنة عمان عالم هادئ وشعب يعرف أن له غدا سوف يتبعه غد آخر بدون إحساس الخوف على المصير أو الاستسلام لقلق من مجهول. وهكذا تراكم السنون، بل هكذا ستتراكم أيضا وسيكون المزيد منها ما يشبهها وأكثر.. حتى قيل وتم ترداده وهو ما سمعته مرارا إن “نيال” العماني على وضعه، هو الوحيد في هذه المنطقة من إذا فكر بمستقبله يمكنه أن يصل إليه بكل هدوء أيامه، وبخلوه من أي قلق أو إحساس من خوف قادم.
تلك المدرسة يجب أن تدرّس في كل العالم، وتلك التجربة الهادئة الفريدة التي لم يسبق أن مرت كان يجب أن تسود كي لا تقع البشرية في أخطاء أطماعها .. وأقول بالأطماع دون أن أنسى أن للسلطنة طموحها المشروع في العيش بكرامة ولكن بلغتها الخاصة التي تشبهها في كل شيء.

إلى الأعلى