الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: الأمن نـعمة كبرى
خطبة الجمعة: الأمن نـعمة كبرى

خطبة الجمعة: الأمن نـعمة كبرى

الحَمْدُ للهِ وَاسِعِ الكَرَمِ، مُجْـزِلِ العَطَايَا وَالنِّعَمِ، وَنَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، يُسْـبِغُ الأَمْنَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ نِعْمَةً وَفَضْلاً، وَيَشْمَلُهُمْ بِالأَمَانِ وَطَنًا وَأَهْلاً، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، الَّذِينَ استَخْـلَفَهُمُ اللهُ فِي أَرْضِهِ، وَمَكَّـنَهُمْ فِي دِينِهِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ سِيرَتَهُمْ وَاقْـتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَـاعلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ فَضْـلَ اللهِ عَلَيْـنَا أَعْـظَمُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَإِحْسَانَهُ إِلَيْـنَا أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُسْـتَقْصَى، فَكَمْ شَمِلَنَا سُبْحَانَهُ بِكَرَمِهِ، وَاكْتَنَفَنا بِفَضْـلِهِ وَنِعَمِهِ، كَمْ مِنْ سُوْءٍ عَنَّا دَفَعَهُ، وَمِنْ مَأْمُولٍ لَنَا حَقَّقَهُ، فَكُلُّ أَيَّامِنَا بِنِعَمِ اللهِ تَحْـفِلُ، وَأَحْوَالِنَا فِي أَثْوَابِهَا تَرْفُلُ، (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) (لقمان ـ 20)، أَلا وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ عَلَيْـنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ الَّتِي يَشْعُرُ مَعَهَا الفَرْدُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَيَعْرِفُ حَقِيقَةَ السَّكِينَةِ، لِذَا امتَنَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ رَزَقَهُمُ الأَمْنَ وَهَيَّأَ لَهُمْ أَسْبَابَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الانفال ـ 26)، وَقَدْ وَعَدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَولِيَاءَهُ فِي جَنَّتِهِ وَمُسْـتَقَرِّ كَرَامَتِهِ بِالأَمْنِ وَالأَمَانِ، لأَنَّهُ لَوْ فُقِدَ الأَمْنُ لَفُقِدَ النَّعِيمُ، قَالَ سُبْحَانَهُ:(ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) (الحجر ـ 46).

عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ مَنْ حَازَ نِعْمَةَ الأَمْنِ تَهَنَّأَ بِعَيْـشِهِ وَلَوِ افتَرَشَ الأَرْضَ وَالتَحَفَ السَّمَاءَ، وَمَنْ فَقَدَهُ تَنَغَّصَتْ أَيَّامُهُ وَلَوْ سَكَنَ القُصُورَ الشَّاهِقَةَ، وَحَوَى الثَّرَوَاتِ الفَائِقَةَ، لا يَهْـنَأُ بِنَوْمٍ وَلا يَتَلَذَّذُ بِطَعَامٍ، فَالقَلَقُ حَلِيفُهُ، وَالخَوْفُ أَلِيفُهُ؛ لِذَا فَإِنَّ الأَمْنَ مِنْ أَهَمِّ الأَولَوِيَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالحَاجَاتِ البَشَرِيَّةِ، أَلَمْ تَرَوا إِلَى نَبِيِّ اللهِ يُوْسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ يَوْمَ أَنْ أَرَادَ إِيوَاءَ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ فِي مِصْرَ ذَكَرَ لَهُمْ تَوَافُرَ نِعْمَةِ الأَمْنِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ النِّعَمِ (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّـهُ آمِنِينَ) (يوسف ـ 99)، فَمَعَ الأَمْنِ يَهْـنَأُ الفَرْدُ بِالسُّـكْنَى وَيَتَنَعَّمُ بِالوَطَنِ، وَنَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ قَدْ قَدَّمَ الأَمْنَ عَلَى الرِّزْقِ يَوْمَ أَنْ دَعَا رَبَّهُ مُبْـتَهِلاً قَائِلاً:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة ـ 126)، فَبَدَأَ بِالأَمْنِ قَبْـلَ الرِّزْقِ؛ لأَنَّ وُجُودَ الأَمْنِ سَبَبٌ لِلرِّزْقِ، وَلأَنَّهُ لا يَطِيبُ رِزْقٌ إِلاَّ فِي ظِلالِ الأَمْنِ الوَارِفةِ. وَلَقَدِ استَجَابَ اللهُ دُعَاءَ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجَعَلَ البَلَدَ آمِنًا، ثُمَّ امتَنَّ سُبْحَانَهُ عَلَى أَهْـلِ هَذَا البَلَدِ بِأَمْـنِهِ وَذَكَّرَهُمْ بِعَظِيمِ فَضْـلِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّـهِ يَكْفُرُونَ) (العنكبوت ـ 67)، وَذَكَّرَهُمْ بِمَا جَاءَ مَعَ هَذَا الأَمْنِ مِنْ سَعَةِ الرِّزْقِ فَقَالَ:(وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص ـ 57)، فَمَعَ الأَمْنِ تَزْدَهِرُ التَّنْمِيَةُ وَيَتَقَدَّمُ الاقتِصَادُ، فَيُقْدِمُ الفَرْدُ عَلَى العَمَلِ وَيَحْرِصُ عَلَى الإِتْقَانِ، فَتُسْـتَثْمَرُ الأَمْوَالُ وَتَنْشَطُ التِّجَارَةُ، قِيلَ لأَحَدِ الحُكَمَاءِ: أَيْنَ تَجِدُ السُّرُورَ؟ قَالَ: فِي الأَمْنِ فَإِنِّي وَجَدتُ الخَائِفَ لا عَيْشَ لَهُ.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
لَقَدْ أَرْخَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْـنَا فِي هَذَا البَلَدِ الكَرِيمِ ثَوْبَ أَمْـنِهِ، نِعْمَةً مِنْهُ وَمِنَّةً، فَتَفَيَّـأْنَا ظِلالَ الأَمْنِ وَقَطَفْنَا ثِمَارَهُ، فِي وَقْتٍ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ حَولِنَا.
إِنَّ فِي بُلْدَانِ هَذَا العَالَمِ اليَوْمَ مَنْ لا أَمْنَ لَهُ وَلا أَمَانَ، لِلْجَرَائِمِ المُنْتَشِرَةِ، أَوِ الحُرُوبِ المُدَمِّرَةِ؛ يَخْرُجُ رَبُّ الأُسْرَةِ طَالِبًا لِلُـقْمَةِ العَيْـشِ فِي الصَّبَاحِ، ثُمَّ يَكُونُ المَوْتُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ لُقْمَةِ عِيَالِهِ، أَوْ رُبَّمَا يَعُودُ إِلى دارِهِ فَرِحًا بِمَا جَمَعَ لِصِغَارِهِ فَلا يَجِدُ الدَّارَ وَلا الصِّغَارَ. كَمْ مِنْ بُيُوتٍ هُدِّمَتْ فَوْقَ سَاكِنِيهَا، وَكَمْ مِنْ مُدُنٍ خَلَتْ مِنْ قَاطِنِيهَا، كَمْ مِنْ أُسَرٍ تَمَزَّقَتْ، وَمُجْـتَمَعَاتٍ تَشَتَّتَ. إِنَّنَا مَعَ استِشْعَارِنَا – عِبَادَ اللهِ – بِوَاجِبِنَا تِجَاهَ المَحْرُومِينَ وَالمَنْكُوبِينَ، لَنَسْـتَشْعِرُ نِعْمَةَ الأَمْنِ الَّتِي نَعِيشُ فِي أَكْنَافِهَا وَنَنْعَمُ فِي أَثْوَابِهَا، وَلَقَدْ صَدَقَ المُصْطَفَى (صلى الله عليه وسلم) حِينَ قَالَ:(مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)، إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْـنَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنْ نَكُونَ شَاكِرِينَ لأَنْعُمِ اللهِ، فَبِالشُّكْرِ تَكُونُ البَرَكَةُ وَالزِّيَادَةُ، وَبِالكُفْرَانِ يَكُونُ الخُسْرَانُ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم ـ 7)، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُخْبِرُنَا فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ عَنْ بَلْدَةِ سَبَأٍ الَّتِي فَتَحَ اللهُ فِيهَا أَبْوَابَ الرِّزْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (سبأ ـ 15)، وَقَدْ هَيَّـأَ اللهُ لَهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ مُقَوِّمَاتِ الأَمْنِ وَأَسْبَابَهُ، قَالَ تَعَالَى:(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) (سبأ ـ 18)، وَلَكِنْ عِنْدَمَا لَمْ يَشْكُرُوا رَبَّهُمْ ولَمْ يُحَافِظُوا عَلَى نِعَمِهِ؛ سَلَبَ اللهُ مُنْهُمْ تِلْكَ النِّعَمَ، وَأَحَلَّهُمُ النِّقَمَ (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (سبأ ـ 19).

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَحَافِظُوا عَلَى أَمْنِ بَلَدِكُمْ بِأَدَاءِ أَمَانَتِكُمْ، وَتَحْـقِيقِ وَاجِبَاتِكُمْ، وَإِعَانَةِ القَائِمِينَ عَلَى صَلاحِ البَلَدِ فِي مُحَارَبَةِ الفَسَادِ وَالإِفْسَادِ بِكُلِّ صُوَرِهِ، وَمُوَاجَهَةِ الظُّلْمِ بِكُلِّ أَشْكَالِهِ، لِنَكُونَ بِإِذْنِ اللهِ جَمِيعًا مِنَ الآمِنِينَ المُفْـلِحِينَ، وَيَشْـمَلَنَا قَولُ رَبِّ العَالَمِينَ:(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) (الانعام ـ 82) أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الإِفْسَادَ فِي الأَرْضِ إِثْمًا عَظِيمًا، وَجَعَلَ لِلمُفْسِدِينَ عِقَابًا وَخِيمًا، وَنَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَاعَى لِلإِنْسَانِ حَاجَاتِهِ، وَكَانَ الحِفَاظُ عَلَى الأَمْنِ مِنْ أَهَمِّ غَايَاتِهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَحْمَةُ اللهِ لِلعَالَمِينَ، وَخَيْرُ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:
فَاعلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ الإِسْلامَ قَدِ اهْـتَمَّ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى الأَمْنِ غَايَةَ الاهتِمَامِ فَنَهَى عَنْ كُلِّ مَا يُخِلُّ بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ نَهْـيُهُ عَنْ تَرْوِيعِ المُسْـلِمِ أَخَاهُ المُسْـلِمَ، فَقَالَ (صلى الله عليه وسلم):(مَنْ رَوَّعَ مُسْلِمًا رَوَّعَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ(، كَذَلِكَ رَتَّبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ النَّكَالِ عَلَى مَنْ يَسْعَوْنَ بِالفَسَادِ وَيُهَدِّدُونَ الأَمْنَ مَا لَمْ يُرَتِّبُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإِجْرَامِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة ـ 33)، إِنَّهُ يَحْرُمُ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ كُلُّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُزَعْـزِعَ الاستِقْرَارَ وَيَنْشُرَ الفَوْضَى وَيُؤَدِّيَ إِلَى التَّفَرُّقِ وَالاختِلافِ لِمَا لَهُ مِنْ عَوَاقِبَ وَخِيمَةٍ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ:(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران ـ 105)، فَمَتَى مَا تَسَلَّلَ الخَلَلُ إِلَى لُحْمَةِ الصَّفِّ، وَاتِّحَادِ الكَلِمَةِ، وَرَابِطَةِ الأُخُوَّةِ؛ انعَدَمَ الأَمْنُ وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ الفَوْضَى الَّتِي تُهْـلِكُ الحَرْثَ وَالنَّسْـلَ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:(وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال ـ 46)، إِنَّ بُنْيَانَ الأُخُوَّةِ فِيكُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَعْـظَمُ مِنْ أَنْ تُصَدِّعَهُ الفُرُوقَاتُ، وَالأَصْـلُ الَّذِي تَجْـتَمِعُونَ إِلَيْهِ أَجَلُّ مِنَ الاختِلافَاتِ، أَمَا كَانَ فِي مُجْـتَمَعِ الصَّحَابَةِ العَرَبِيُّ وَالحَبَشِيُّ وَالفَارِسِيُّ وَالرُّومِيُّ؟ أَلَمْ تَخْتَلِفْ آرَاؤُهُمْ فِي فَهْمِ قَضَايَاهُمْ وَتَتَبَايَنُ أَفْهَامُهُمْ فِي مَعْرِفَةِ أُمُورِ دِينِهِمْ؟ لَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانُوا إِخْوَةً مُتَحَابِّينَ، يُخَاطِبُهُمْ رَبُّهُمْ بِقَوْلِهِ:(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران ـ 103) فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَحَافِظُوا عَلَى نِعْمَةِ أَمْـنِكُمْ، وَوَحْدَةِ صَفِّكُمْ، وَاتِّحَادِ كَلِمَتِكُمْ، وَتَآلُفِ شَمْـلِكُمْ، وَأَيقِنُوا أَنَّ هَذِهِ الأَرْضَ الَّتِي أَنْبَتَتْـكُمْ وَشَمِلَتْـكُمْ، هِيَ أَرْضٌ طَيِّـبَةٌ مُبَارَكَةٌ، لا تُخْرِجُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَمَا خَبُثَ فَهُوَ عَنْهَا مَبْـتُورٌ وَعَنْ أَصْـلِهَا مَقْطُوعٌ، (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) (الأعراف ـ 58).

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.

اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى