السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن ٫٫ تـربية الأولاد (1)

شـذرات مـن هـدي القـرآن ٫٫ تـربية الأولاد (1)

- الأولاد مهـما أوتـوا مـن الــذكاء فهم بحـاجة ماسة لمن يــوجـههـم

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد :
فإن تـربية الأولاد مـن الأمـور الـتي يتحـملـها الـوالـدان، لأن الأولاد أمانة والأمـانة تحـملها الإنـسان دون سـائـر المخـلـوقات، ولـذلك يجـب عـليه أن يحـافـظ عـليها، ولـو أن الـوالـدين قـامـا بـواجـبهـما نحـو تـربـية أولادهـما، ما وصـل بـنـا الحـال إلى أسـفـل سـافـلـين مـن سـوء الأخـلاق، ومـا نـراه مـن انحـراف الـشـباب فـهـو نتـيجـة حـتمـية، فالأولاد مهـما أوتـوا مـن الــذكاء والـفـطـنـة بهـم بحـاجة ماسة لمن يـقـوم بـتـوجـيههـم.
وقـد وصـل بنا الحال الآن مـن تـدني الأخـلاق واللا مـبالاة وضحالة التحصيل العـلـمي، وتـبـديـد الأوقـات الثـمينـة أوقات الـشـباب التي لا تعـوض، شـغـلت أوقاتهم باللـهـو واللـعـب، والأشـياء الهامـشية، فـصار الأمـر كـما قال الـمثـل:(مـالي اسـمـع جعـجـعة ولا أرى طـحـنا)، وكـما قال الشـاعـر:
إذا كـنت باللـيـل لا أكـتـب
وطـول النهـار أنا ألـعـب
وطـورا يـطـلني مـأكـل
وطـوراً يـبـطلني مشـرف
فإن دام هـذا عـلى ما أرى
فـبيـتي أول ما يخــــرب

إن الـمسـؤولـية لـيست خـاصة بالآباء والأمهات، أو بمـدارس الـبنين والـبنات وإنما الـمسـؤولية عـامة كل في مـجاله وحسـب مـوقـعه الـوظيـفي، لـذا يجـب أن تتحـملها كل الجـهـات، كل حـسب مـوقـعـه مـن السياسات والـمـؤسسات، والـوطـن لـه حـق عـلى أبـنائه في رقـيه وبـنائه، ومـا يـبـذل في سـبيـل الـتعـلـيـم مـن الإمـكانات والجـهـود التي لا يـعـلـمها إلا الله، فـعـلى أولـيـاء الأمـور أن يـكـونـوا في مـسـتـوى تـثـمـين تلك الجـهـود، وعـليهـم بالتالي أن يحسـسـوا أولادهـم، بأنه إذا كانت تلك الأشـياء تـبـذل مـن أجـلهـم، ومـن أجـل بـناء مسـتقـبلـهـم، فـعـلـيهـم أن يـدركـوا عـظـم تلك الـمسـؤولـية الـمـلـقـاة عـلى عـاتقـتهـم، التي يـرجـوهـا مـنـهـم الـوطـن والـمـواطـن وأن يـشـعـروا أن الـوطـن وطـنهـم، صـلاحه بـصـلاحـهـم وفسـاده بـفـسادهـم، فـعـلى أيـديـهـم يتحـقـق ذلك، فإن أدركـوا ذلك حـقـيقة احـتـقـروا ما يـبـذلـون في سـبيل طـلب العـلـم لـرفـعـة شـأن وطـنهـم ورقـيه.
ولـقـد وصـل الأمـر إلى ما لا تحـمـد عـقـباه مـن تـدني الأخـلاق، في الـمستـوى الطـلابي، حـتى أن الـمـعـلـم الــذي امتهـن مهـنة الأنـبياء والـرسـل، (وهـي مهنة مـن أشـرف الـمهـن) أصبح يخـاف مـن طـلابـه بـعـد خـروجـه مـن الـمـؤسسة التعـلـيمية.
قال الشـاعـر:
إنـما الأمـم الأخـلاق ما بـقـيت
فإنهـم ذهـبت أخـلاقـهم ذهـبـوا

فالـمـعـلـم له دور بـارز في السـلـوكـيات القـيمية والأخـلاقـية، ونحـن بحـاجة إلى مـربـين أكـثـر مـن احـتياجـنا إلى معـلـمين، لأن ما يـقـضيه الـطـالب مـن الـوقـت مـع الـمـعـلم، أكـثر مما يـقـضـيه مـع الـوالـدين.
ثـم أن أوامـر الـمـعـلـم تـنـفـذ أكـثر مـن أوامـر الـوالـدين، فـبـمـجـرد ما يـطـلب الـمـعـلـم مـن التـلمـيـذ إحـضار شـئ مـن الأدوات لهـا عـلاقة بالـتعـلـيم والـوسائل التعـلـيمية، يأخـذها التـلـمـيـذ مأخـذ الأمـر الجـدي، لـذا فـما إن يـصل الـتلـميـذ إلى الـمـنـزل، حـتى يـقـدم طـلب الـمـعـلـم إلى وأبـيه أو إلى أمـه، ولا يـهـدأ بـالـه ولا تـرتاح نفـسه حـتى تـلـبى أوامـر الـمـعـلـم وطلـباته، إذ أن أمـر الـمعـلم وطـلـب الـمـعـلم طـلب يجـب تحـقـيقه ولا يخـضـع للـنقـاش، لأنه صادر مـن الـمعـلـم، لـذا فإن تأثـير الـمعـلم في الـتـلامـيـذ له دور بـارز في مسـتقـبـل الشباب عـلمياً وسـلـوكياً وأخـلاقـياً.
قـصة فـتـاة خـدعـت بالـصحـبة:
كان ذلك بـسبب اهـمال دور الـوالـدين، وتمتـع الـفـتـاة بالحـرية المـزيـفـة واتسـع الخـرق عـلى الـراقـع حـدث الـتصرف اللاعـقـلاني مـن جـانب الـفـتاة الـمخـدوعـة بالكـلام الـمعـسـول، ظـاهـره الاعـجـاب وباطـنه فـيه العـذاب.
فـلـما انجـرت في مـنـزلـق خـداعـهـم تخـلى عـنهـا الأهـل والأقـربـون، وتنـكـر لها العـشـاق والـمحـبـون الـمـزيـفـون، ثـم لـم تنتشـلها مـن هـدة الـشـقـاء إلا يــد الله، وهـا أنا أرويـهـا كـما رويتها في بـعـض كـتبي السـابقة: الـذي روى الـقـصة هـو الشـيخ الـدكـتـور محمد سـعـيـد رمـضان الـبـوطي، قال: دخـلت مكـتبي فـتـاة اصـطـنعــت (فـيـما يـبـدو لي) حجـاباً سـتـرت به جـزءاً مـن شـعـر رأسـها، واسـتـأذنـتني أن تجـلـس فـتقـص عـليّ مـأسـاتها، أمـلاً في أن أهـديها إلى مخـرج أو أعـيـنها عـلى حـل مشـكلتها، وكانـت خـلاصة قـصتها: أنها نشـأت في بـيـت لا يـعـرف للــدين مـعـنى ولا ينـضـبط مـنه بأي قـيـم، تـلـقـت تـربيتها وثـقـافـتها في الـمـدارس ثـم الجـامعـة دون أي رقـيب عـليها، أو ناصـح لها مشـفـق عـليها.
قال: وكان الـشباب مـنـذ مـرحـلة الـدراسة الثانـويـة يحـومـون حـولـها ويظهـرون الاعـجـاب بها، ويـدفـعـونها إلى مـزيـد مـن التـحـرر في الـمـظـهـر والسـلـوك، قالت: فاسـتـسـلـمـت لــذلك كله، وتحـول قـلبي إلى (فـنـدق) عـلى حــد تعـبـيرهـا، يحـتـله الـوافــدون إلـيه مـن الـشـباب واحـد تـلـو الآخـر، وفي الجـامعـة ازدادت عـلاقـتي مـع الـشباب اسـتجـابة وعـمقـاً، وكان الكـل معجـباً بـمـا أتمـتـع به مـن التحــرر، في الـمـظـهـر والـسـلـوك مـع الـضـغـط الـمسـتمـر عـليّ، بأن أزداد تحــرراً وسـعـياً إلى تحـقـيـق الـذات باتـباع الـشهـوات، وتعـلـقـت في تـلك الأثـناء بـشـاب مـنهـم، تـراءى لي أنـني قـد أحـببته، وأن هـواه قـد أخـذ بـمـجـامع نفـسي، إذ كان يـؤكــد لي صـادق حـبه لي وتعـلـقه بي، فـعـرضت عـلـيه أن يـتـقـدم فـيخـطـبني مـن أهـلي، واقـتـرحـت عـليه مشـروع الـزواج، فأظـهـر الاسـتجـابة الكلـيـّة، وأكــد أن هـذا هـو مـشـروعـه الـقـائـم في ذهـنـه، وأنه سـيتـقـدم لخـطبـتي عـما قـريـب، وازدادت مـن جـراء هـذه الـثـقـة العـمـياء صـلة ما بـيننا قــوة وعـمـقـاً.
قال أحمـد شـوقي:
خـدعـوهـا بـقـولهـم حـسـناء
والغـواني يغـرهــن الـثـناء
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى