Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

المرأة المسلمة في زمن التحديات (47)

أحمد محمد خشبة:
هـ ـ (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا):
وقوله:(أَطَعْنَ) من الطوع وهو: الانقياد، ويضاده الكره قال عز وجل:(ائتيا طوعاً أو كرهاً)، (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً)، والطاعة مثله لكن أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم، قال تعالى:(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)، (ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ . طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
فقوله تعالى:(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أي: قبلن طلبكم ورجعن عن قرارهن في الافتداء بطوعهن وأردن الإصلاح فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ومثل هذا للزوج في رد زوجته في العدة لقوله تعالى:(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا)، ولقوله:(وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا).
فذكر الله الطاعة بعد الضرب جعل الضرب بعيداً عن معناه المذكور في كتب التفاسير وبعض الأحاديث، حيث يقولون بأنه بمعنى الجلد والايذاء البدني، وهذا مستحيل لأن الطاعة لا تكون إلا برضا النفس، أما قبول طلب الزوج بعد الضرب (الايذاء البدني) فهذا صغار ورضوخ وليس طاعة، فإذا قيل فلماذا يكون حق التأديب حكراً على الرجال دون النساء؟ فإن الجواب على هذا يكون بأننا اتفقنا أن الرجل هو القوام على المرأة وأن المرأة تعيش تحت كنفه وفي رعايته فلهذا يكون هو الرئيس والمدير العام لشؤون البيت وأي خطأ يرتكبه أفراد البيت فيجب عليه هو القيام بمهمة التأديب، وأما إذا جعلنا كلاً من المرأة والرجل رئيسين لمؤسسة واحدة فلا يجتمع ـ كما يقال ـ ديكان في الحظيرة أو رئيسان وقبطانان على مركب واحدة، ولن تؤدي هذه المؤسسة التي تصنع للمجتمع أفراده مهمتها العظيمة الموكولة إليها.

كما أننا عندما نبحث في تشريع الضرب للمرأة الناشز والتي لم تنفع معها عدة وسائل بعد تجريبها فيجب علينا ملاحظة عدة نقاط:
1 ـ مع تشريع الضرب تم تحديد نوعيته وماهيته فهو ليس ضرب انتقام وتشفي، وإنما الحكمة منه توصيل رسالة بعدم الرضا، وقال ابن عباس وعطاء:(الضرب غير المبرح بالسواك، ويتجنب الوجه، وأن لا يترك الضرب أثراً على الجسد).
2 ـ مع تشريع الضرب كوسيلة إلا أن هناك أحاديث كثيرة نهت عنه مثل قول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(لاَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا في آخِرِ الْيَوْمِ).
3 ـ وفي بعض حالات الانحراف السيكولوجي لا تجدي مع المصاب إلا وسيلة الضرب، ويطلق علماء النفس على هذا الانحراف اسم (الماسوشزم)، وصاحب هذا المرض لا يتعدل مزاجه إلا بعد معاملة قاسية حسياً ومعنوياً، وهذا النوع من الانحراف كما يقرر علم النفس أكثر ما يصيب النساء، إذ يصاب الرجل بانحراف (السادزم) وهو التمتع باستعمال العنف أما في الحالات الأخرى التي لا تصل إلى مرتبة المرض، فلا يجوز استعمال الضرب،إذ لا ضرورة له ولا يجوز المبادرة إليه، ولعل ذلك يصلح مع بعض حالات الناس.
4 ـ أعطى الإسلام المرأة عدة وسائل لعلاج انحرافات الرجل منها النصح والإرشاد كما يجوز لها الهجر في المضجع في بعض الحالات كأن يطلب منها زوجها أن يجامعها فيما حرم الله كالدبر أو في المحيض .. مع ابتعاد المرأة عن وسيلة الضرب لأنها لو ضربت الرجل فسوف يتحول إلى وحش كاسر ويحطمها، ولكن يجوز لها أن تطلب من وليها ـ أو القاضي ـ أن يضرب زوجها إذا أساء إليها بحيث يكون الولي رجلاً يتحمل مقاتلة الرجال.
5 ـ كذلك فإن المرأة التي ارتضت قوامة الزوج عليها أن ترضى تأديبه لها بالمعروف إذا نشزت.
والمتمحص في أمر الإسلام وشرعته يجد منه تركيزاً شديداً على أمور الإمارة، فقد قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ:(قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرّ؟ٌ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بهداي وَلاَ يَسْتَنُّونَ بسنتي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إِنْسٍ. قَالَ: قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(مَنْ أطاعني فَقَد أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عصاني فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ الأَمِيرَ فَقَدْ أطاعني وَمَنْ عَصَى الأَمِيرَ فَقَدْ عصاني وَالأَمِيرُ مِجَنٌّ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَإِنَّهُ إِذَا وَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَكُمْ وَإِنْ صَلَّى قَاعِداً فَصَلُّوا قُعُوداً)، فلذلك أمر الضرب لم يكن مقصوراً على علاقة الرجل بالمرأة في عقد الزواج وإنما هو في كل حالات الإمارة (تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ).

* إمام وخطيب جامع ذو النورين ـ الغبرة الشمالية


تاريخ النشر: 10 نوفمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/226088

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014