Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

المسؤولية المجتمعية في الإسلام (2)

د جمال عبد العزيز أحمد:
ذكرنا في لقاء سابق حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل مسلم، فردًا ومجتمعًا، وعرفنا أن المسؤولية لا تقف عند حد كل فرد فقط، وإنما تشمل المسؤولية الاجتماعية أو المجتمعية كاملة، فالمجتمع يجب أن تكون عينُه مفتوحة، يراقب كل ما ومن يؤذيه، ويدفع كل ما ومن يفسده ولا يصلحه، وإن لدينا نماذج كثيرة في القرآن الكريم، تكشف عن طبيعة الدور المجتمعي في التغيير، ورقابة المجتمع الشرعية، وعدم ترك السادرين في الغي، والمفسدين في الأرض يمضون في إفسادهم، ويستمرون في غيهم، دون نصيحة أو عظة أو بيان، وسوف أعرض هنا لنموذج من نموذجين عرضهما القرآن الكريم من سورة الأعراف، وسورة سبأ يوضحان حدود تلك المسؤولية المجتمعية، وخطورة التخلي عنها أو الصمت عن أداء واجب الدعوة، وفرض الكلمة التي تخرج لله، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة تنساب بين جنبات المجتمع، والنموذج الأول منهما هو ما حكاه القرآن الكريم في سورة الأعراف، حيث ورد فيه قوله تعالى:(واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون، وإذ قالت أمة منهم لم تعطون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكِّروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون).
هذه الآية أساس أصيل، وركن ركين، في المسؤولية المجتمعية وضوابطها وحدودها في منظور الإسلام، وخلاصتها أن أمة ساحلية، أي تسكن على البحر، وبيوتها ومساكنها ترى البحر، فهي ساحلية، عبر عنها القرآن الكريم بقوله:(حاضرة البحر)، وتعتاش على الصيد وهو مهنتها وعملها، ومصدر رزقها، وسيبل حياتها، هذه القرية عصت الله ربَّها سبحانه، حيث حَرَّم عليها الصيدَ يوم السبت إذ جعله يوم طاعة وقرب، وليس يومَ عمل وصيد، وبقية الأيام الستة أحل لهم فيها أن يصيدوا، ويرتزقوا فهي لهم على طول أيامها وساعاتها حلال حلال، لكنهم احتالوا على المعصية، والتمسوا السبيل إليها، حيث كانوا يَنْصِبُون الشباك ليلة الجمعة، فتأتي الحيتان فتقع في الشِّبَاك، ولا يمكنها الخروج منها، فتتجمع الحيتان والأسماك، حتى إذا انتهى يوم السبت، وأشرقت شمس الأحد، وجدوا الشباك ممتلئة بالأسماك الكبيرة والحيتان، وغيرها مما حرم الله عليهم فيه أي صيد من البحر، يجدونه في شباكهم محبوسا من ليلة أمس، وكان الله عز وجل قد شاء امتحان ما بدواخلهم، واختبار عزائمهم وتكاليف وأعباء الإيمان في قلوبهم، فكانت الحيتان يوم سبتهم تأتيهم شارعة في الهواء، تضرب غُطساً ثم تصير في الجو، وتضرب بأجسادها تتلوى كما يتلوى الشراع تختبر إيمانهم ورجولتهم وعلاقتهم بالله وخوفهم منه وإجلالهم له، وقد عَبَّر القرآن عن ضخامتها وكبر حجمها بقوله:(إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرّعاً) بتلك الراء الشديدة، ومثلها الشين المضمومة المشددة المتكررة فالشين حرف تفش، فكأن الحيتان تنتشر هنا وهناك كما تنتشر الشين في الفم وفي كل جوانبه واضحة، والراء حرف تكرار، حيث يتكرر مشهد التلوي والعلو من الحيتان التي جاءت لمهمة تقوية الإرادة، وتقوية العزيمة وتدريبهم على تحمل مهمات التكليف، والتي بدورها تدفعهم وتقويهم على تحمل أعباء الدعوة، والقدرة على الالتزام والصبر، وتحمل مشاق الدعوة والإصلاح، وهي كناية عن خطورة الابتلاء، والحيتان هنا تعرب فاعلاً، فقد يتساءل الإنسان هل تعرف الحيتان أيام الأسبوع؟، بمعنى أنها تحسن فهم يوم السبت من غيره؟، فنتعجل ونرد بـ (نعم)، إنها تعلمت ذلك بتعليم الله إياها، وفَقِهَتْ رسالتها وأدركت مهمتها ووظيفتها، يقول تعالى:(إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرّعاً)، ويأتي الفعل المضارع (تأتيهم) ليفيد الاستمرار، بمعنى أنها فعلت ذلك عددا من المرات، وليس مرة واحدة، حيث ضعفوا وضعفت نفوسهم، وقل الوازع الديني في أفئدتهم، واهتزوا أمام رؤيتها بهذه الأوصاف الضاربة في عمق القلب، المختبرة لصدق العقيدة وإعمالها في النفس، وهى حيتان أو أسماك كبيرة قد أتت لتختبر ثباتهم، وتكشف عن مدى تحملهم، وعندما يكون اليوم يوم الأحد أو الإثنين أو غيره، فإنها لا تأتيهم، فماذا كان عملهم، وماذا كان الرد منهم؟، إنهم رسبوا في الاختبار، وفشلوا حيث وقعوا في المعصية، وما استطاعوا الصبر عن الاصطياد، وخارت قواهم، واهترأت عزائمهم، فراحوا يفكرون في طريقة أخرى لاصطيادها يوم السبت لكثرتها ووجودها بوضوح شديد، وراحوا يحتالون على المعصية، ويَعْدون في السبت، أي يتجاوزون الحدود الشرعية، ويعتدون على حرمة السبت، بترك الأمر بعدم الصيد فيه ، وهذا كان اختبارا من الله لهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله، (كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون)، أي يخرجون عن طاعة الله، ويتنكبون طريق الصلاح ، وسبيل الفلاح، نعم؛ إن الله لم يظلمهم، ولكن ذكر السبب في هذا الابتلاء بقوله:(كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون)، لكن النظرة المجتمعية هنا لهذه المعصية اختلفت، وهنا تباينت شرائح المجتمع حيالها، ومضى الناس إزاء ذلك الأمر ثلاثة أقسام: قسم قام بواجبه، وأدرك مضمون وفحوى رسالته، ووعى تماماً وظيفته وحدود مسؤوليته، فقام بواجبه الدعوي، ودوره الديني، ودعاهم إلى ترك الصيد يوم السبت، ووقفهم على خطورة المعصية، وبيَّن لهم عواقبها الوخيمة، وهؤلاء كانوا شريحة اتخذت هذا العمل الراقي الممدوح في منظور الشرع، المحبب لله ولرسوله (صلى الله عليه وسلم) وهم في القسم الأول، والقسم الثاني هو القسم العاصي الذي ارتكب الإثم، واحتال واصطاد الحيتان، ولم يصبر، وأعد الشباك ليلة الجمعة أو السبت، وارتكب المعصية وأغضب الله عز وجل، وأما القسم الثالث فهم من يوجدون كثيراً في المجتمعات، ونراهم وأعدادهم كثيراً في المحافظات، إنهم من يثبِّطون الدعاة العاملين المخلصين النشطاء الدعاة الفاهمين من القسم الأول، حيث يثنونهم عن عمل الخير، وخير العمل، ويشدونهم إلى الوراء، قائلين لهم: هؤلاء قوم خٌلِقٌوا لجهنم، ولا يُجدي معهم نصح، ولا ينفع عندهم وعظ، ولا يعود الكلام معهم بفائدة، فيا للأسف! فلا هم ساعدوا الدعاة الفاهمين التقاة، ووقفوا معهم وقووا ظهورهم، وشدوا من أزرهم، ودعوا لهم، وكانوا ظهيراً ومعيناً، ولا هم سكتوا وأراحونا من عويلهم وصراخهم وحديثهم ، فتركوهم وما يصنعون، لكنهم كانوا مثبطين، مبطِّئين، وقد حكى القرآن الكريم عن هؤلاء في آية أخرى بقوله:(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَـنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا”، فيا ليتهم سكتوا تماماً، وما تكلموا، ويا ليتهم عندما تكلموا جاؤوا بما يشكرون عليه، بل فعلوا ما لا يقبله القلب الموصول بالله، الوجل الخائف من ربه، بل تفوهوا بما أدخلهم في زمرة العاصين، وحزمة المغضوب عليهم، والصنف الذي تسوء به الحياة، ويعطِّلون المراكبَ السائرة ، كما يقول المثَل المصريُّ، نسأل الله أن يبصرنا بدورنا ودور مجتمعنا الدعوي، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونعرض للنموذج الثاني في اللقاء القادم، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com


تاريخ النشر: 10 نوفمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/226090

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014