الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مدينة الرقة وريفها والمرحلة التالية

مدينة الرقة وريفها والمرحلة التالية

علي بدوان

إنَّ تدمير مدينة الرقة التام، وتهجير كامل سكانها، ودفن من بقي تحت ركام منزله، لا يفسره فقط وجود تنظيم “داعش”، ولا يُمكن أن تُبرره أو تشرحه العلوم العسكرية، وأيضا يستعصي على الفهم تدمير مدينة بالكامل من أجل إنقاذ سكان لم يبق منهم أحد .. البربرية هي فقط التي أجهزت على كامل المدينة من قبل مجموعات “داعش” نفسها وغارات التحالف التي دمرت حتى دار المسنين وبناء مدارس الصم والبكم في المدينة.

هزيمة تنظيم الدولة (داعش) في محافظة الرقة السورية، تُمثّل ضربة قاسية للتنظيم، وتقليصا كبيرا لنفوذه في المناطق التي ظَهَر فيها أولا منذ الإعلان عن نفسه في الساحة السورية وحتى العراقية، وتأتي بعد أشهر قليلة من إعلان الحكومة العراقية، في تموز/يوليو 2017 استعادة مدينة الموصل، التي تُعدّ أكبر مدينة سكانية سيطر عليها التنظيم منذ نشأته، وتمثّل مقره الأساسي في العراق، وبذلك فإن التنظيم الذي اتخذ من العراق والشام جزءًا من اسمه، قد خَسِرَ أكبر معاقل له في هذين المكانين… ولكن إلى أين تسير الأمور الآن في مدينة الرقة السورية، والتي باتت مُدمرة بشكل شبه كامل..؟
كانت مدينة الرقة السورية، تعتبر من أجمل المدن السورية، وأكثرها ترتيبا من ناحية البناء العمراني، وخلوها من العشوائيات تقريبا، وهي العشوائيات المُنتشرة في معظم المدن السورية وخاصة دمشق وحلب واللاذقية وحمص… لكنها باتت الآن وبعد الحروب الضروس التي وقعت عليها وعلى عموم ريفها، مدينة تحت الركام، حيث قدرت تقارير الأمم المتحدة الأخيرة والصادرة قبل أيام، بأن نحو 80% من أبنية المدينة ومرافقها ومؤسساتها مُدمر بالكامل، ولا مجال لإصلاحها، بل وتحتاج لعمليات إغاثة وإعادة إعمار قد تستغرق وقتا طويلا. فقد كان التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة قد كَثَّفَ ضرباته الجوية على الرقة بشكل كبير، ليكون أكبر عدد للغارات الجوية التي أطلقها التحالف على أهداف تنظيم الدولة المختلفة في سوريا والعراق، هي تلك التي أطلقها على مدينة الرقة وعموم ريفها، وليقترب عدد تلك الغارات من 3.5 ألف غارة، منذ آب/ أغسطس 2014، وحتى 17 تشرين الأول/أكتوبر2017. وسقط نتيجة ذلك نحو 2699 مدنيا بينهم 640 طفلا، و466 امرأة من المواطنين السوريين وفق عدة تقارير أممية. عدا عن المفقودين، حيث السؤال المطروح الآن عن مصير المخطوفين والمغيبين لدى “داعش”…؟ ما مصير الأب باولو. أين هو..؟ أين جثته إن كان مقتولا…؟ والسؤال الآخر: أين اختفى الآلاف من “داعش” بلمح البصر…؟
والآن، وبعد خروج مجموعات تنظيم الدولة (داعش) من مدينة الرقة، أصبح من الصعب التحكُّم فيها سواء على المستوى الإداري أو السياسي، فإداريا ليس من السهل إدارة مدينة الرقة المُدمرة بشكل شبه كامل من قبل الأطراف التي دخلت إليها لأكثر من سبب، علما أن التحالف الدولي كان قد أعلن قبل أسبوع بأن ما يسمى بـ”مجلس الرقة المدني”، هو من سيدير الرقة بعد استعادتها من “تنظيم الدولة”، وسيحصل على ما يحتاج من دعم من التحالف الدولي لإعادة إعمار المدينة، ويتكون ذلك المجلس من أعضاء معظمهم من الأكراد، ومعهم بعض العرب من الذين قاتلوا “داعش” تحت لافتة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)…
الوضع الآن في الرقة مُعقّد جدا، حيث يصعب على (قسد) إدارة المدينة، وما تقترحه مجموعة (قسد) لا يلقى تجاوبا عند مختف الأطراف التي ترى في مجلس الرقة المدني مجرد واجهة لـ”وحدات حماية الشعب الكردية”، ويُمكن من خلاله تنفيذ المشروع الكردي في الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا، وتكوين فيدرالية خاصة بهم شمال سوريا، وقد تقترب من فكرة كردستان العراق، وقد عبر عن هذا بوضوح المسؤول والقائد العسكري لقوات قسد طلال سلو، وهو اتجاه أيضا ترفضه تركيا التي تُريد تبديد المشروع الكردي في تكوين دولة خاصة بهم على الحدود السورية التركية. فالدولة التركية تخشى الآن من وجود خط أوجلاني يُحتفى به اليوم في الرقّة، ويقلقها بشدة رفع صورة كبيرة لعبدالله أوجلان في الساحة الكبرى المدمرة وسط مدينة الرقة. فرفع صور أوجلان المواطن الكردي التركي في الرقة السورية، يُعزز الفرضية التركية التي تقول بأن (وحدات قسد) ليست سوى امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور، والذي يشن هجمات مسلحة في جنوب شرق تركيا منذ ثلاثة عقود، حيث تُصنّف أنقرة وواشنطن ودول الاتحاد الأوروبي حزب العمال كمنظمة إرهابية.
وفي التقدير، نُسجّل التالي:
أولا: إنَّ تدمير مدينة الرقة التام، وتهجير كامل سكانها، ودفن من بقي تحت ركام منزله، لا يفسره فقط وجود تنظيم “داعش”، ولا يُمكن أن تُبرره أو تشرحه العلوم العسكرية، وأيضا يستعصي على الفهم تدمير مدينة بالكامل من أجل إنقاذ سكان لم يبق منهم أحد .. البربرية هي فقط التي أجهزت على كامل المدينة من قبل مجموعات “داعش” نفسها وغارات التحالف التي دمرت حتى دار المسنين وبناء مدارس الصم والبكم في المدينة.
ثانيا: لا يُمكن إدارة الرقة، إلا من قبل أبنائها ومواطنيها، وهو ما يُشير لضرورة العمل من أجل تهيئة الأمور لعودة أهالي المدينة، وريفها، ووضع حد لتفلتات المجموعات والميليشيات المسلحة التي تعمل تحت أي عنوان. فميليشيات (قسد) ومجلسها في الرقة غير قادرة على قيادة المدينة حيث الحمولة أثقل من الحامل من كل النواحي.
ثالثا: تشكيل إدارة من أهالي المدينة وفعالياتها التي يجب أن تتم عملية تسريع عودتها، وقيادة المدينة في ظل وجود الشرعية الدستورية والقانوية المتمثلة بالدولة.
رابعا: يُقدّر بأن التحالف الدولي، وتحديدا الولايات المتحدة، ستعاود الكرة، وستتصرف على أساس أن أكراد سوريا أنجزوا المهمة ضد “داعش” وعليهم أن يختفوا هناك أيضا في المرحلة التالية. فالحالة الكردية السورية وقعت مرة جديدة تحت الواقع الاستعمالي الاستخدامي من قبل الأطراف الخارجية، وهو الخطأ الدائم الذي طالما وقعت به الحركات الكردية في سوريا والعراق وإيران وتركيا على حد سواء.
خامسا: إنَّ رفع صور عبدالله أوجلان (المواطن الكردي التركي) في مدينة الرقة، قد أضَرَّ وأضعف الحالة الكردية في السورية (كان من الأوفى رفع صور مشعل التمو على سبيل المثال)، وهو ما بان في ردود فعل كل الأطراف بما في ذلك تركيا، ويؤكد في الوقت نفسه الطبيعة الانفعالية للمقاتلين الأكراد ولمجموعات (قسد)، ويظهرهم بالنتيجة كأنهم أعداء مشروعهم المُعلن أو المستتر.

إلى الأعلى