الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / من متواليات قرع الطبول

من متواليات قرع الطبول

عادل سعد

إن الحاجة الاقتصادية التنموية، وفتح الأسواق بين دول متجاورة لها مصالح مشتركة هو السبيل لتأسيس اقتصادات قادرة على مواجهة التحديات المتفاقمة التي تغلغلت في جميع القنوات العربية، ويكفينا أن على مدرجات جامعة الدول العربية عشرات القرارات واللوائح والتعليمات لتصحيح بنى اقتصادية أو تنشيط مؤسسات قومية أوصى بها خبراء، لكن المواقف السياسية حالت دون تحقيقها.

لأن قرع الطبول لا يمكن له أن يصنع رأيا عاما مهما كان قويا ومنتشرا على مساحة واسعة، يظل التوجه الهادئ المجال الحيوي الحقيقي لإيصال الأفكار والمواقف، وتأسيس قناعات لها مهما كانت قوة التشويش والتهويل، ومحاولات التأثير السلبي العازل لهذه القناعات، وفي هذا السياق تكون المواظبة والمثابرة قاسما مشتركا لا بديل عنها.
عموما إننا في الوطن العربي نعاني أساسا من شدّة قرع الطبول واستهلاك المزيد من الجهود والأموال لتمرير أصواتها بمحاولات متكررة ومتواصلة إلى حد الإشباع من خلال وسائل إعلام ومحطات سياسية وتعشب يومي للأكاذيب والافتراءات واختراع القصص في هذا الشأن أو ذاك.
هناك الآن مفازات من الفعل السياسي الذي يحاول الالتفاف والتوظيف والابتكار لتأخير وصول الحقيقة إلى الرأي العام، وتباعا تأجيل تصحيح الأوضاع، وتوسيع دائرة التفخيخ الذهني بالسذاجة والافتراء وترصيف الغش.
لقد أتيح لي مع مسؤولين حقوقيين يوم الاثنين الماضي الالتقاء بالمستشارة السياسية لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ولفت نظري وجود شكوى مريرة لديها على سياسيين عراقيين لا يملون من الحديث بعيدا عن الاختصاصات والموجبات، ولم أشأ أن أقول لها إن هؤلاء السياسيين هم مجرد قارعي طبول، ولكن ليس على غرار أصوات الطبول الإفريقية بإنذارات الخطر والتوقع العاطفي، ومواسم العواصف بل بالمزيد من الزهو الطاووسي بالرغم من أن (عدو الطاووس ريشه).
لا توجد إحصائيات تقريبية لعدد قارعي الطبول الإعلامية والسياسية والفواجع الأمنية من خلال التهديد بالويل والثبور وإقامة مواسم حصد الرؤوس أو إحراقها، لكن المعاينة الميدانية تضعك أمام استنتاج أنهم كثر ـ مع الأسف ـ وأن بعضهم باختصاصات لا يشق لها غبار في تصنيع الفوضى والمناكفات وإقامة حفلات النواح، وإلا ماذا يعني أن تتبنى قيادات سياسية ووسائل إعلام ساطعة ومنظري فتاوى طائفية ونخب سياسية مجندة لتجهيز البلاد العربية بالمزيد من تمويلات التهديد ونشر الحقد وتسويق الإقصاء أو الاحتواء؟
وماذا يعني أن تسود لغة التشكي والعجز و(الحبالة الكاذبة) إذا لم تكن الطبول قد فرضت سطوتها على الساحة العربية على غرار ما يفعله صافر ذلك الطائر المحكوم دائما بالهلع فتراه يطلق صوته لكي لا يؤخذ غيلة حسب المثل العربي, لذلك قيل (أجبن من صافر). ويقيني أن هذا الطائر الأحمق يعاني من الأرق المزمن حتى وإن كانت حاجته إلى النوم كالحاجة إلى التنفس.
وفي الاقتصاد والتذبذب التنموي يتأكد أن لا سبيل أن نجد أنفسنا إلا من خلال أن نجد فرصا حقيقية في تنمية مستدامة تقطع أصابع الركود والتجاوز على المال العام، والارتهان لمواقف شركات تضع الحصول على الأرباح المفتوحة ضمن قائمة أولوياتها حتى ولو أدى ذلك إلى ضياعات مؤلمة, أليس ذلك قرعا لطبول الفاقة؟
إن الحاجة الاقتصادية التنموية، وفتح الأسواق بين دول متجاورة لها مصالح مشتركة هو السبيل لتأسيس اقتصادات قادرة على مواجهة التحديات المتفاقمة التي تغلغلت في جميع القنوات العربية، ويكفينا أن على مدرجات جامعة الدول العربية عشرات القرارات واللوائح والتعليمات لتصحيح بنى اقتصادية أو تنشيط مؤسسات قومية أوصى بها خبراء، لكن المواقف السياسية حالت دون تحقيقها, بل إن قرع الطبول السياسية لعب دورا ـ مع الأسف ـ في تهريب المال العربي إلى مناطق بعيدة عن متناول حاجتنا التنموية تحت تأثير قرع طبول أن القدرة الاقتصادية العربية غير مؤهلة لاستيعاب تلك الأموال.
وللسياسة أيضا أصابعها (الساحرة) في متلازمة الشحن العاطفي ومعادلة الحماسة والفتور على حساب التدرج والتأني, فلقد طال هذا الحال أكثر من مشروع تنموي عربي مشترك، مع أن متطلبات التنمية تقتضي توقيتات وحساب كلفة الزمن والمال والنتائج، ولأننا عربيا نقيم قناعاتنا على ما يلبي موقفنا السياسية وليس في إطار الجودة المطلوبة للمشروع المشترك فإن لدينا الآن أكثر من مشروع عربي واحد لم يصل إلى خط الشروع رغم كل العوامل المتوافرة لنجاحه، أما على صعيد مشروعاتنا التقنية فالأمر أكثر سوءا.
إن متوالية قرع الطبول تحكم المشهد العربي الآن، وإلى أن نستبدل هذا الإدمان الصوتي، يظل واقعنا ممهورا بالنزعة الصوتية بالوراثة، ونظل نحرص أيضا على الإصغاء لقرع طبول تأتينا بضاعة جاهزة من وراء البحار.

إلى الأعلى