الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب وعامه الأول

ترامب وعامه الأول

عبداللطيف مهنا

صراعه مع هيلاري كلينتون لم ينتهِ بعد، والتحقيقات في التدخُّل الروسي المزعوم لصالحه ضدها جارٍ، وهو لا يزال يطالب بالتحقيق في رسائل بريدها الإلكتروني، والديمقراطيون يحلمون بمحاكمته وعزله، والجمهوريون منقسمون حوله، والعلاقه بينه وبين الكونجرس يعوزها الانسجام، والمعركة بينه وبين المؤسسة، بمعنى الدولة العميقة، وفي طليعتها المؤسسة الأمنية، على قدم وساق، ناهيك عن خلافاته مع وزارة خارجيته، بل والموجودة داخل إدارته في البيت الأبيض نفسه.

بعد اقتطاعنا لحقبة حملته الانتخابية الرئاسية العاصفة، يمر على إعصارها الذي حمله إلى البيت الأبيض وبتنا الآن في مستهل الثاني. إبان تلك الحملة الصاخبة، وفي بداياتها، تعرضت كسواي لجلبتها المثيرة وغير المسبوقة في تليد الكرنفاليات الانتخابية الأميركية المعهودة، وأذكر أنني حينها قد كتبت مقالا في “الوطن” قلت فيه ما معناه، لو أنني أمتلك الحق في التصويت في هذه الانتخابات لأعطيت صوتي لترامب، وعللت ذلك بسبب واحد، هو أنه سوف يكون وبجدارة الرئيس الأميركي الأقدر من غيره على أن يُري العالم أكثر مدى قبح وجه العم سام، والمؤهل لأن يكشف لنا عن خفي دمامته وبجلاء أكثر مما نعهد.
عام ترامب الأول في البيت الأبيض لم يخيّب ظني، ويوما بعد يوم يزداد عدد الأميركان، الذين قد لا يخالفوني رأيي ذاك في رجل لم ينجح حتى الآن، إلا في أمرين يتيمين ولا من سواهما، هما: استنفار كوامن العنصرية الأميركية البيضاء وإفلاتها من عقالها، تحت لافتة “استعادة القومية الأميركية”، وبالتالي، إنعاش الكراهية الملازمة لتلك التليدة المزمنة ونشرها. والثانية، شق المجتمع الأميركي إلى نصفين آخذين في التباعد، وقد تتسع الهوة بينهما حتى ليكاد أن لا يتبقى من جامع بينهما.
وحتى لا أستطرد فأغفل سببا موضوعيا للظاهرة الترامبوية، التي تسيل الآن في جنبات العالم أنهر من أحبار التحليلات والتعقيبات والتوقعات حولها، أسارع للقول بأننا إذا ما عكسنا على هذه الظاهرة مأثورنا القائل “الناس على دين ملوكهم”، فبإمكاننا القول إن الترامبوية هذه هي بامتياز على دين الولايات المتحدة الأميركية ومن نبتها…هي نتاج أصيل لهذه الشركة التي وضع أسسها وأنشأها “الواسب”، أو طلائع المستعمرين من البروتستانت البيض، ذات يوم، وبنوها في حينها من جماجم أصحاب البلاد الأصليين، الذين أسموهم الهنود الحمر، ووطَّدوا دعائمها على أعناق وظهور العبيد الزنج، وظلوا، رغم تعدديتها اللاحقة، هم وحدهم الممسكون والمتحكّمون بمجالس إداراتها المتعاقبة، بعد أن غدت امبراطورية امبريالية تمتد مخالب نهمها الاستعماري كونيا لتطول أربعة أطراف جمجمة هذا العالم.
حتى الآن، وبعد عام من فوزه بالرئاسة، وبنظرة إلى تغريداته وما تثيره استفزازاتها من ردود عليها، يخال إليك أن حملته الانتخابية الرئاسية ليس لها من نهاية، كما ولا يبدو أن بلاده المنشغلة بمستجداته قد غادرت بعد أتونها. صراعه مع هيلاري كلينتون لم ينتهِ بعد، والتحقيقات في التدخُّل الروسي المزعوم لصالحه ضدها جارٍ، وهو لا يزال يطالب بالتحقيق في رسائل بريدها الإلكتروني، والديمقراطيون يحلمون بمحاكمته وعزله، والجمهوريون منقسمون حوله، والعلاقه بينه وبين الكونجرس يعوزها الانسجام، والمعركة بينه وبين المؤسسة، بمعنى الدولة العميقة، وفي طليعتها المؤسسة الأمنية، على قدم وساق، ناهيك عن خلافاته مع وزارة خارجيته، بل والموجودة داخل إدارته في البيت الأبيض نفسه.
ومع هذا، لا يكاد يشغله، داخلا، إلا مسح آثار سلفه باراك أوباما. أما خارجيا، فمحاولته بفجاجة لا تنقصها العدوانية استعادة المبادرة الأميركية المقررة في العالم، بعد أن بدأ إفلاتها من يد الإمبراطورية البادئة في طور الأفول، الأمر الذي يترجم سياسات ومواقف لا تعوزها الحماقة وتقود إلى مزيد من التخبط، إذ لم يعد أحد في عالمنا يزعم بأن لديه قدرةً على التنبؤ بمواقفه أو خطواته المتوقعة.
في جردة لإيفائه بوعود حملته الانتخابية المطلقة لمارد العنصرية البيضاء من قمقمه حاملا إياه إلى المكتب البيضاوي، لا نجده قد حقق وعدا واحدا منها. لم يعد الشركات والمصانع المهاجرة من بلادها إلى حيث فرص الاستغلال والربح في بلاد الله الواسعة، ولا إجبار المكسيك على تمويل جدار عازل يبنيه على حدودها مع بلاده، ولا استن قوانين ضرائب جديدة، ولم يتمكن من إلغاء قانون ضمان الرعاية الصحية، أو “أوباما كير”، ولا حتى تمرير مراسيم ردها القضاء تقضي بمنع رعايا لبلدان مسلمة من دخول الولايات المتحدة، ناهيك عن أن علاقته مع الكونجرس، رغم الأغلبية الجمهورية فيه، لم تستوِ بحيث تسمح له بتمرير تشريعات تتفق مع اجنداته.
أما خارجيا، فلم يقوَ على إبطال الاتفاق النووي الإيراني، وتراجع عن إنهاء حلف الناتو، ويقف عاجزا إزاء رغبة الحد من الطموح النووي الكوري الشمالي، واضطر لاستبدال لهجته العدوانية السابقة تجاه الصين إلى تملقيَّة تستحثها على مساعدته في احتواء جموح وتحدي حليفها الكوري.
كل ما فعله هو إتاحة الفرصة للجنرالات، الذين حشدهم في إدارته ومن حوله، للفوز بصلاحيات واسعة أصبغها عليهم للتعامل مع بؤر التوتر الكونية، وتصعيد أشكال حروب وتدخلات بلاده المباشرة وعبر وسطائها، والتي لم تضع أوزارها بعد، في أفغانستان، والعراق، وسوريا، وما يستجد منها في أماكن أخرى من العالم.. الجنرال جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض، والجنرال هربرت ماكماستر، مستشار الأمن القومي، والجنرال جيمس ماتيس وزير الدفاع.
…بالنسبة لحله الموعود للصراع العربي الصهيوني، فالأمر أوكله إلى ثلاثة صهاينة مشهود لهم، هم، صهره جارد كوشنر، ومبعوثه جيسون جرينبلت، وسفيره في تل أبيب ديفيد فريدمان…قلنا بدايةً ونعيد، ترامب مُنتَج أميركي، وبالتالي هو على دين منتجته!

إلى الأعلى