السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لويجي برانديللو.. الحقيقة والحياة 2 ـ2

لويجي برانديللو.. الحقيقة والحياة 2 ـ2

ومن مسرحيات بيرانديللو أيضا مسرحية بعنوان “كما تريدني”، بطلتها امرأة يدعوها بيرانديللو بالمجهولة، يتعرف عليها رجل على أنها زوجة صديقه، ويأخذها إلى زوجها الذي يدعي أنه ينتظرها منذ عشر سنوات. فقد نزل الألمان في بيته أثناء الحرب، وأخذوا امرأته. وبعد مضي عشر سنوات، تطالب أخت الزوجة، بضرورة إشهار وفاة أختها، لأنها لم تعد، وذلك لتحصل على البيت وسائر الأملاك التي تخص أختها.. لكن الزوج يتشبث باعتقاده، وهو أن الزوجة ما زالت حية. ويمضي في البحث عنها، لكي لا تضيع أمواله. وعندما تأتي المجهولة إلى البيت، ترفض استقبال أحد. وتكون قد قطعت علاقتها مع شخص حاول الانتحار من أجلها، وتكتشف أن زوجها يريدها في سبيل الإبقاء على ثروته، أي لمصلحة شخصية، وأن هناك إمكانية لأن يظن أنها ليست هي. وفي هذه الأثناء، يعود الرجل الذي حاول الانتحار من أجلها، ومعه طبيب وامرأة معتوهة، يدعيان، أي الطبيب والرجل، بأن المعتوهة هي الزوجة المختفية للرجل الذي فقد زوجه.
وهنا تجد المجهولة فرصتها، لتوقع الجميع في خداع وضلال ووهم لا يخرجون منه؟! أيهما هي الزوجة حقا؟! يمكن لأي منهما أن تقدم البراهين، ويمكن أن تتلاعب بالحقيقة، ويمكننا أن نصدق عندها الكذب. وهذا ما قصد إليه بيرانديللو.
وبعد مناقشة تترك المرأة المجهولة البيت، وتذهب مع الرجل الذي حاول الانتحار من أجلها، تاركة المعتوهة، كزوجة لذلك الرجل. ولم يكن دافع المرأة المجهولة لهذا العمل، إلا توافر عناصر عدم الثقة عند الرجل الزوج، وتكالبه على المصلحة الخاصة، واستعداد الجميع لتقبل أي خداع يقال على أنه حقيقة، أو قد يكون حقيقة بالفعل.
ولم يقطع بيرانديللو تماما، بأيتهما الزوجة، بل ترك الجمهور يعيش الحيرة، ليسخر من بحثه عن الحقيقة.
وتظهر سخرية بيرانديللو من محاولة الوصول إلى الحقيقة، ومن الناس الذين يدعون أنهم إنما يبحثون عنها، وتبلغ حد الروعة، في مسرحيته “لكل حقيقته”.. المسرحية التي تطرح مشكلة موظف أتى إلى مدينة صغيرة، فتناولته ألسنةُ الناس، يريدون أن يعرفوا كل شيء عنه.. لماذا يُسكِن زوجه في بناية، ويُسكِن حماته في أخرى؟ ولماذا لا تزور الأم ابنتها أو البنت أمها؟! ويبدأ الظن والتخمين والرجم بالغيب والاتهام، من قبل سكان المدينة. كلٌّ يقول ويدعي. وتشتغل الألسن والادعاءات شغلها، حتى تضيق الأسرة بذلك. فتأتي الحماة فرولا خلسة إلى أشهر البيوت التي أصبحت مركزا لهذا العمل، وهو بيت أحد رؤساء زوج ابنتها، وتشرح لهم الأمر على أنه مجرد شعور بضرورة أن تعيش كل منهما وحدها، وأن زوج ابنتها لطيف وليس وحشا، كما صوروه ويتصورون، وأنه لا يمنع أيا منهما من زيارة الأخرى. وعندما تخرج يأتي الموظف بونزا ذاته، ليخبرهم بأن حماته مجنونة، وهي تحسب أن زوجه ابنتها، بينما الواقع أن ابنتها ماتت، وهذه زوجة ثانية، وأنه يغلق الباب على امرأته، حتى لا تدخل حماته لعندها. وبعد خروجه تأتي الحماة ثانية لتقول لهم، إنه أي بونزا، أصيب بالجنون، على أثر مرض ابنتها ونقلها إلى مصح، واعتقد أنها ماتت، ولما شفيت ابنتها أعادوها إليه على أنها زوجة ثانية.. وهكذا تزداد الأمور بلبلة وتعقيدا، حتى يتدخل الرئيس الأعلى للموظف، ويجبره على أن يحضر زوجه لاستجوابها، وإلا فإنه سيسرحه من وظيفته. ونزولا عند إلحاح الرئيس تحضر امرأة الموظف وهي مجللة بالسواد، لتقول لهم إنها ابنة السيدة فرولا وزوج السيد بونزا الثانية، ثم تخرج وكأنها الغموض ذاته، الذي يسخر ممن يحاولون البحث عن الحقيقة. وهكذا تزداد الأمور تعقيدا ويبقى الأمر بلا حل، ويعتقد كل شخص في تلك الأسرة ما يريد.
ومن الواضح، أن بيرانديللو يبغي السخرية ممن يدسون أنوفهم في خصوصيات الآخرين، ويرمي إلى تأكيد فكرته الأساسية في مسرحه، وهي أن الحقيقة لا وجود لها، وأن الوهم والخداع والأقنعة طابع الحياة، والشيء الوحيد الواضح الملموس فيها، الذي يساعد البشر على أن يعيشوا. فكل إنسان يعتقد ما يريد، ويلبَس من الأقنعة ما يريد، لأن الحقيقة الكاملة لا سبيل إليها، والبحث عنها غير مجد.
في مسرحية ديانا والمثَّال، نفَس آخر مختلف.. إنه إضاعة للحياة في غمار البحث عنها. والمسرحية معالجة لبيجمالون، من وجهة نظر بيرانديللو، حيث يطالعنا عنده النحات سريو، وهو نحات شاب، يرغب في صنع تمثال ضخم فذ لديانا، وقد اختار أنموذجا “موديلا”ملائما، وقع عليه لتحقيق تلك الغاية. وذلك الأنموذج هو الفتاة “تودا” التي أقبلت على العمل معه، متحملة المصاعب، لأنه يريدها أن تقضي وقتا طويلا أمامه في وضع متعب، ولا يعبأ على الإطلاق بإنسانيتها، وإنما يهمه بالدرجة الأولى أن يتم التمثال كما يريد. ولكن صديقة سريو “سارة مندل” لم تعد ترغب في بقاء هذه الفتاة، وكانت تفسر انصراف صديقها للعمل، على أنه انصراف عنها مع تلك الفتاة. وقد أدركت مقدار تعلّق سريو بالتمثال وبالأنموذج الذي اختاره. ولما كانت تعرف المنافسة القائمة بينه وبين أحد أصدقائه الفنانين، هو كرافاني، لجأت إلى طريقة تعتقد أنها تستثيره بواسطتها، هي الذهاب إلى منافسه ذاك لتجلس أمامه كأنموذج.
ولكن هذا الأمر لم يؤثر في سريو، الذي بقي بعيدا عن استثارات الحياة والجسد والأحياء، عدا ما يربطه بعمله الفني. وعرفت “تودا” أن ما يستثيره، يتعلق فقط بعمله الفني، فعرضت على منافسه، أن يرسم لوحة لديانا، يتخذها هي أنموذجا لها. وهنا دبت الغيرة في قلب سريو، وعمل بكل الوسائل على ألا تذهب تودا لتجلس أمام كرافاني، سامحا لها بممارسة كل ما تريد ممارسته فيما عدا ذلك.
وبدأت تودا تهب نفسها له ولعمله، ولكنه كان يريد التمثال بأي ثمن، وينصرف عن رغباتها، ولا يعبأ بإنسانيتها، ولا يشعرها بأنها مع زوج وإنما مع نحات، يحتاج إلى “موديل”، وكان هذا يسبب لها ألما بلا حدود.. لكنها لم تيأس، وتحملت إضافة إلى ذلك سلسلة من المضايقات، سواء من الرسام كرافاني الذي يريد أن يرسمها، أو من صديقه سريو وسارة مندل التي كانت تضايقها. وكان يقف إلى جانب هذه المجموعة الشابة، نحات عجوز، هجرته رغبة الخلق الفني، بعد أن تقدمت به السن، وحلت به رغبة عارمة في الحصول على متع الحياة، وهي متوافرة في تودا، فهي فتاة لها جسم الإنسان وطعمه وحيوته، وليست كتماثيله، جامدة في شكل واحد لا تحول فيه.. ولكنه كعجوز، لم يستطع أن يجهر بذلك، ولذا بقي مرافقا ومراقبا ومتقربا طوال الوقت.
وشعرت تودا، بعد فترة، ببرود عجيب في حياتها.. فهي تُمتص إلى آخر قطرة، وسريو لا يعيرها اهتمام الرجل بالمرأة، ولا يهمه منها سوى حرارة توضع في التمثال، أو أوضاع معينة يجسمها هو تمثالا، ولا يعنيه بعد ذلك ما تفعل، ولا كيف تكون.. صحيح أنه وضع تحت تصرفها بيته واسمه، ولكن ما يشغله هو تمثاله بالدرجة الأولى.
وعندما استيقظت على هذا الإحساس المرعب، قررت أن تخون سريو، بأن تجلس كنموذج للرسام كرافاني.. وكاد هذا الأمر يذهب بصواب سريو.. ورغم حبها له، نفذت هذا الأمر.. ولكنها عادت إليه في النهاية شبه مقهورة.. وعندما لمحت التمثال الذي انبجس منها، وجدت أنه لا يمت إليها بصلة.. وشعرت أنه كتلة متغضِّنة متشنجة، يحمل بؤسها وكآبة آلامها، ولا يمثل جمالها وحيويتها وكيانها كله.. ولم تستطع أن تقاوم رغبة عارمة في داخلها إلى تحطيمه، فاتجهت نحو التمثال بهذا القصد، الأمر الذي آثار سريو إلى درجة غير محتملة، وأسرع لمنعها، ولتحطيمها أن اقتضت الضرورة ذلك. ولكن الرسام العجوز يتدخل لصالح تودا، ويلقي بسريو إلى الأرض، بعد أن أطبق بيديه على عنقه. وينتهي ذلك العراك بموت الرسام الشاب سريو. وتجد تودا نفسها عند عتبة جديدة.. لقد انتهى كل شيء بالنسبة لها، ولم تعد شيئا.. فلا حرارتها في التمثال، ولا حيوتها وجمالها قد رفعا شعث الحياة عنها، ولا شأنها فيها.
إنه ذلك الضياع، بين رغبات الحياة ورغبات الفن.. في متاهة البحث عن متعة خالدة… وعن خلود يسبب المتعة.. فهل نجد ذلك في الفن يا تُرى، أم نجده في الحياة؟! هل نسخر كل جهد حياتنا من أجل عمل فني يبقى خالدا بعدنا، ويكون ذلك على حساب رغبة الحياة ومتعها وأسرارها فينا.. أم نفعل العكس، فنستمتع بالحياة وننصرف إليها كليا، غير آبهين بما هو خالد، ونعتبر الخلود هو متعة الحياة ذاتها، وهو استغلال الزمن الذي نعيشه، وطحنه لنا كما تطحن سائر الأشياء والمخلوقات تحت رحاه؟! سؤال محير ما زال يحتمل التفكير.. ذلك الذي يطرحه بيراندللو في هذه المسرحية. وهو ينطوي على تأكيد من قبَله على تلك الأسرار والمكنونات التي تعذب النفس البشرية، وتقودها لاختيار طريق دون أخرى.
والموضوع مستوحى من موضوع بجماليون، الذي سبق أن عالجه كتاب كثيرون. وما قدمه بيراندللو بسيط البنية، غير مشوق، وقد يحظى بلمحات جمالية، وترجمة هذه المسرحية، كما بدت لي، ركيكة، وجملُها العربية غير سليمة.
هذه نماذج من مسرح بيرانديللو، الذي يعتبر مسرحه أبا للمسرح الحديث، أو من آبائه، ويصور صراع الإنسان مع الزيف والخوف الكامنين في نفسه، ومع الطبيعة والفناء وعناصر عدم الثبات في العالم. إن مسرح بيرانديللو لا يزيد على أن يكون مرآة ترينا ما بداخلنا، وترينا أنفسنا، وكيف ينظر الناس إلينا، وكيف ننظر نحن إلى الناس.. ليخلق في داخلنا، بعد هذا كله، أزمة صراع عنيف، تجعلنا نفكر في معنى الحياة، وبأنها ليست سوى مهزلة، ودرب نمر فيه، يدفعنا لكي نعطيه معنى.
إنها نظرة قاتمة متشائمة، يلقيها بيرانديللو على الحياة، ويقول:”ليس علينا إلا أن نتقارب الواحد بجانب الآخر، لنخلق دنيا من الرحمة والمحبة والإشفاق، إن الدين شيء خيالي، ولكنه نافع، إذا أمكنه أن يكبح جماح الحيوان المستكين في أعماقنا”. لقد كان بيرانديللو يؤمن بالإنسان، على الرغم من سخريته المرة، من كل محاولات الإنسان، لملء فراغ الحياة، بكل المتناقضات، إلى أن يأتي الموت.
شغلت بيرانديللو قضيةُ الموت، وسيطرت على فكره، إلى درجة لم يعد معها يعرف، إلا السخرية من الحياة، ومن طريقة الأحياء في تزجية الوقت خلالها بانتظار الموت. توفي بيرانديللو عام 1936 عن تسع وستين سنة، بعد أن قدم انتاجا أدبيا ضخما في الشعر والرواية والمسرح، وأحدث انقلابا في فنية المسرح، وقاد حركة تجديد، ما زال ينهل منها المسرح الحديث حتى اليوم، وأثَّر في كثيرين، وتأثَّر به كثيرون.
وتقودنا هذه الأعمال، إلى ملاحظة أن إنتاج بيرانديللو انصبَّ على الاهتمام بالجانب الاجتماعي والنفسي من حياة الفرد، وركز على العلاقة بينه وبين الجماعة، وأبرز التأثر والتأثير المتبادل بينهما.. ولم تكن القضايا السياسية العامة في مقدمة شواغله، وإن كانت تظهر في أعماله، كخلفيات بعيدة، تكاد لا تبين. لكن فاعليته في التأثير على أناس عصره، كانت ملحوظة.

إلى الأعلى