السبت 24 أغسطس 2019 م - ٢٢ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الفنان التشكيلي حسين عبد الباسط : دائما ما يحتاج النحت أشكالا معينة لإنشاء خطاب بصري لأشكال ثلاثية الأبعاد وفق خطاب تشكيلي وجمالي معين

الفنان التشكيلي حسين عبد الباسط : دائما ما يحتاج النحت أشكالا معينة لإنشاء خطاب بصري لأشكال ثلاثية الأبعاد وفق خطاب تشكيلي وجمالي معين

يرى أن الأشكال الهندسية هي معنى الصمود ويبهره بروز الاستقامة والاستواء والزوايا فيها

حوار ـ وسام عبد المولى:
حسين عبد الباسط هو فنان تشكيلي ونحات مصري وضمن أعضاء هيئة التدريس في قسم التربية الفنية بجامعة السلطان قابوس، له العديد من الأعمال الفنية من بينها المعارض التي أقامها في جمهورية مصر العربية وأخرى متوزعة بين المغرب واليابان، له مقتنيات فنية في جامعة السلطان قابوس وأيضا مكتبة الإسكندرية ، ومشاركات محلية أهمها في معرض (قابوس عمان أرض السلام) بمسقط تحت إشراف وتنظيم الجمعية العمانية للفنون التشكيلية مسقط 2010 وأخرى في (المعرض السنوي التاسع عشر للفنون التشكيلية ديسمبر 2011) .. لنتعرف على الكثير من التفاصيل مع الفنان حسين عبدالباسط كان هذا الحوار..

———————–

• أقمت معرضا شخصيا حمل عنوان (فنتازيا 2) ، تضمن أعمالا جديدة وتجربة أخرى في السلطنة، بقيت تعمل على إنجازه أكثر من عام ونصف تقريبا، وكان في المركز العماني الفرنسي، ماذا يمكن أن تقول في خصوصيات هذه التجربة وأهم تفاصيل الأعمال النحتية؟
- يتكون المعرض من 25 عملا نحتيا وهي أعمال متنوعة تتماهى بين المسطح والمجسم. وفي الحقيقة في المرحلة التي سبقت مجيئي إلى السلطنة كانت أغلب أعمالي عبارة عن مجسمات. أما بداية مرحلة المسطح والجداريات كانت في فترة إقامتي بالسلطنة وحاولت أن أستخدم خامات متاحة وإمكانية الحصول عليها سهلة. وكان محور موضوع بحثي التشكيلي “الطاقة الكامنة”، وتعريف الطاقة الكامنة ببساطة هي الطاقة المخزنة في المادة، وقد حاولت تناولها بصياغات مختلفة سواء من ناحية قوة العناصرواختلافها والتي حاولت من خلالها التعبير عن معان مختلفة من ذلك: مرحلة التفجير أو مرحلة التشقق والعمل على إبراز الإحساس بخروج الطاقة من المادة حولها، أوّلا، ومرحلة التزلزل للمادة وإضفاء الشعور بالتشظي فيها وهي بدورها مرتبطة بالخامات اللينة والخامات الصلبة. حاولت أيضا التعبير عن مرحلة تآكل الشكل وخروج ما بداخل الشكل أو حتى إبراز تفاصيل ظهور ما بداخله وربطه مع تفاصيل ما خارج الشكل. وفي كل مرة أحاول تناول الموضوع بطرق تشكيلية متنوعة مستخدما في ذلك تقنيات متعددة، من بينها تقنية “التشكيل المباشر” وتعتبر أساسية ومعظم أعمالي في ذلك تعتمد على خامة اللدائن المدعمة بالألياف الزجاجية (Fiberglass) وهذه الخامة متوفرة في عمان، وفي فترة سابقة كانت أعمالي تعتمد على المعادن وخاصة على حدتها وتنوعها، وهنا من الصعب أن أحصل عليها. وأخيرا ابتدأت أعمل بخامات الألمنيوم في بعض التجارب وجمعت بين الألمنيوم (Aluminium) وبين ألياف البولي إستر (Polyester).

• تبدو علاقتك متميزة مع المواد التي تعمل بها وخاصة في اختيارها وقبل المرور إلى الحديث حول بعض التفاصيل التي تتأسس عليها تجربتك التشكيلية الحديثة، سيكون سؤالي إليك منقسما إلى جزأين: كيف يحدد حسين عبد الباسط إطاره ومحيطه الفني، فهو من جهة أستاذ يدرس مادة النحت ومن جهة ثانية فنان تشكيلي يمارس هذه التقنية واختصاص النحت، أوّلا؟ وثانيا، ما نوع العلاقة التي تقيمها في مجال الفنون التشكيلية ورؤيتك وأهدافك، ما مدى المراوحة بينهما؟
- في حقيقة الأمر، أنا مولع بتدريس النحت ورؤيتي في ذلك مبنيّة على ضرورة التعمّق الشديد في ماهية النحت وخصوصياته التشكيلية، ويبرز ذلك من خلال دوره المهم جدّا في الحياة عامّة، التي تؤثثها الأشكال لإبراز المعاني والأفكار المادية التي نعيشها: على سبيل المثال الكرسي الذي هو في علاقة جدلية مرتبطة بالمكتب وحتى بالأدوات التي نستخدمها ويمكن فتح الصورة أكثر وربطها بالعمارة وحتى بتصميم السيارة وأشياء كثيرة أخرى موجودة في استعمالاتنا اليومية، وأحاول في هذه النقطة التأكيد على أن النحت مرتبط بالخامة ونوعيتها وتعددها وخصوصياتها من جهة أولى، ومرتبط بقدر حذق المهارات والتمكن من الإجادة التقنية، من جهة أخرى. إنني أحاول باستمرار مع طلبتي أن تكون الخامات متنوعة والتقنية المستعملة وذلك بربطهم بفكرة “دور النحت” في حياتنا. وفي هذا المعنى أقول إن النحت هو فن مرتبط بأشياء كثيرة بحياتنا ومهمة جدا أيضا، وقد قمت بتجارب كثيرة مع الطلبة قصد التعرف على تجارب جديدة، وأريد التذكير أن هذه التطبيقات قد بنيت على رصيد كبير من الوعي التشكيلي، والبحوث تؤثر على ممارساتي الفنية إيجابيا ويتجلّى ذلك في كثير من أعمالي الفنية.

• هل تختار الخامات والمواد انطلاقا من الفكرة؟ أو هل أن الخامة والمادة هي التي تنتج فكرة وموضوع العمل الفني؟
- نعم: أختار الخامات والمواد انطلاقا من الفكرة أحيانا وفي أحيان أخرى تكون الخامة والمادة منتجة وباثة للفكرة ولموضوع العمل الفني. إذ أن الفكرة هي الأساس الذي أعمل عليه وأبحث في محيطه، ولكن هناك بعض الأعمال التي يغلب عليها الجانب التقني وطبعا الفكرة لايمكن التعبير عنها بدون تقنية عالية وخامة مناسبة، وبالتالي معرفتك بالتقنيات والخامات ستسهل عليك اقتراح أفكار بأشكال جديدة وجيدة.

• العمل الفني الذي يحمل عنوان “الطائر”: هل أن فكرة الطائر موجودة بذهنك ومخيلتك أو هي بمثابة تجمّع لبعض المواد أنتج عملا تركيبيّا؟ أو أن فكرة الطائر من خلال الصورة التي نتلقاها بصريّا في هذه التجربة التشكيلية قد انطلقت أساسا من المواد والخامات مباشرة: أي بعبارة أخرى هل أنك قمت بتجسيد صورة الطائر تقنيّا من خلال النحت؟
- أصل العمل هذا هي فكرة مرتبطة ب”الخيال العلمي”: الذي يعرّف في اللغة الإنجليزية بمصطلح (Science Fiction) وهو يعتمد على الخيال عادة وأهم المسائل التي يطرحها الاكتشاف العلمي والتغيّر البيئيّ وارتياد الفضاء. ومن الممكن أن يتخيل الباحث في هذا المجال نتائج متعددة لهذه الظواهر أو نظرياتها. أما ميزة بحوث الخيال العلمي أنها تحاول أن تبقى في اتصال شديد بالنظريات العلمية والقوانين الطبيعية والتطورات التكنلوجية: كل تلك الخصوصيات قد استهوتني ودفعتني نحو العمل في فكرة محاكاة الكائنات وتحولها (Metamorphose)، وتجربتي تعتمد على الجمع بين الفني والعضوي، وانطلقت فيها بدراسة بسيطة جدا للطائر لمختلف أعضائه وقوائمه والبحث في معالجات تشكيلية مختلفة للجسم الذي يحدث خلال عملية “التحول” تغيير جلي وحاد نسبيًا في تركيب بدنه من خلال النمو والحركة.

• ما يمكن ملاحظته أن الشكلين متقاربان في عمل “انفصال” وعمل “تمزق” والفكرة تكاد تكون نفسها والصورة التي عبرت بها تبرز قيمة فنية عالية:ما هي الخطوات التي تم اتباعها لإنتاج عملين يهتمان بنفس الفكرة في نفس الوقت، لكن بمواد مختلفة؟
- عندما أهتم بفكرة فإني أقوم بمجموعة من البحوث وذلك بالرَسمُ التقريبيّ والتخطِيطِيّ (sketch) تصل إلى 40 أو 50 تكون عادة صغيرة وبسيطة ويمكن لورقة الرسم أن تحتوي على 20 فكرة وأحاول في كل مرة العثور على الفكرة التي تتوافق مع خامات وطرق وتفكير وتقنيات تتنوع حسب طبيعة التكوين للفكرة ذاتها من حيث الكتلة والحجم والشكل. فأبدأ أوّلا باختيار الخامة المناسبة لها وبعد ذلك يكون من السهل عليّ اختيار بدائل كثيرة والمطلوب بكل بساطة هو توفير الخامات وكذلك الأدوات والجميل أنه أثناء العمل فإن الفكرة الواحدة قادرة على توليد عشرات الأفكار.

• لماذا سمّيت منحوتة “تمزّق” مع أن الصورة توحي بظاهرة أو فعل الانفصال والعكس كذلك يبدو واضحا في العمل الفني “انفصال” الذي يبرز فكرة التمزّق ونرى أن الأجزاء قد انفصلت عن بعضها فعليّا رغم أن الشكل كرويّ في المنحوتتين ذات النصفين الدائريين في حالة انقسام؟
- أرى أن ما يحصل في عملية التمزق هو عبارة عن انفصال كامل، لكن في الحقيقة كل هذه المواضيع رغم اختلافها تبقى عن حجة (pretext) يعتمدها الفنان للوصول للتعبير جماليا وفق أشكال ذات تركيبة مميزة.

• تتنوع الأشكال الهندسية في منحوتاتك وأحجامها أيضا، بالإضافة إلى أننا نلاحظ حضور الدائرة والاسطوانة والمكعب والمثلث والهرم، ماذا يعني التأكيد على حضور الأشكال الهندسية بكثافة؟
- تستهويني روعة الأشكال الهندسية ويبهرني فيها بروز الاستقامة والاستواء والزوايا، وأرغب في التعامل معها باستمرارية، إنني أرى في هذه الاشكال معنى الصمود، وذلك يدفعني إلى العثور على طريقة ألج من خلالها جمودها غير المعبر وكيف ستنبثق منه أشكال تعبيرية. وكنت دائما أحاول ربطها بعناصر يوجد فيها الجانب القطبي ومن المعروف أن العنصر الهندسي هو عنصر جماد أتعامل معه من منطق المتنوع في التحليلات الهندسية والانفصال والتجزئة وانفجار الأشكال وهي قابلة للتتنوع في كل مرة ويتم ذلك عندما نحاول في تغيير الأشكال نفسها.

• تتأسس أعمالك الفنية غالبا على كل ماهو هندسي وأساس الفكرة ممّا هو طبيعي، باعتماد مجموعة محددة من المعادن والخشب، إلاّ أن الألوان تكاد تكون قليلة، أهي الجرأة التي تنقصك على إدخال ألوان أخرى ومساحات لونية متدرجة؟
- أنا لا أحب الألوان كثيرا، فعندما تحضر الألوان في النحت يكون الأمر مختلفا كما هو الحال في التصوير أو حتى الرسم، وأعتبر أن النحت يحتاج أشكالا معينة لإنشاء خطاب بصري لأشكال ثلاثية الأبعاد وفق خطاب تشكيلي وجمالي معين.

• لماذا تم اختيار ألوان متقاربة تقريبا؟
أنا أعتبر أن هذه المجموعة من الألوان تحمل معاني النبل والوقار وهي في نفس الوقت تظهر جمالية العمل النحتي ولا تفقده خصوصيات كتلته.

• من هم الفنانون الذين أثّروا في مسيرتك الفنية أو حتى أهم المراجع النظرية أو التجارب التشكيلية؟
- الفنان الإيطالي ميدوري الذي يعمل على منحوتات تستهويه فيها الأشكال الهندسية جدا، وهو يعرض في مختلف دول العالم، وتتميز منحوتاته البرونزية بالدقة التقنية وتشكيليا بالضبابية، أتمنى أن أكون قريبا إليه في إبداعه، رغم أنني أريد أن تكون شخصيتي الفنية مختلفة: نحن نستمد من بعضنا القوى والفكر لكن يبقى كل واحد فينا مستقلا عن الآخر بأسلوبه.

• ماهي الأحلام المتبقية لديك في عالم النحت، وما الذي لم تحققه حتى الآن؟
- إن حلمي هو أن أرى أعمالي النحتية كبيرة ومعروضة في فضاءات عامة هامة حتى يتسنى لعدد كبير من الناس مشاهدتها والاستمتاع بها. وفي الحقيقة أنا لا أدري هل هو تقصير مني أو هي الظروف التي لم تسمح لي بذلك أو لايوجد أحد إلى حد هذه اللحظة قد أبهرته أعمالي بشكل جيد. المهم رجائي أن تصبح في يوم ما أعمالي النحتية معروضة بمقاسات كبيرة وفي عديد الأماكن.

• نختم حوارنا بالسؤال عن مشاريعك الفنية التي ستعمل عليها في المستقبل القريب؟
- لدي أفكار كثيرة ورسومات تخطيطيّة متعددة، جزء قليل منها بنسبة 5% قمت بتحويلها إلى أعمال نحتية، ولكن للأسف الوقت عندي أصبح ضيقا جدا، بالإضافة إلى مشاغل الحياة والالتزامات المهنية الأخرى، لكن أحاول في كل مرة قدر الإمكان أن أجد في وسط هذا الزحام جزءا من الزمن للعمل فيه.

إلى الأعلى