الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : زلزال الحدود الإيرانية العراقية يتحدى العاطفة الإنسانية

في الحدث : زلزال الحدود الإيرانية العراقية يتحدى العاطفة الإنسانية

طارق أشقر

بقدر ما أوقع الزلزال الذي ضرب الحدود الإيرانية العراقية مساء أمس الأول أكثر من 340 متوفى، وشرد أكثر من 70 ألف شخص منهم من سكان المناطق المتأثرة بتلك الهزة الأرضية العنيفة البالغة قوتها 7.3 درجة بمقياس ريختر ومركزها منطقة حلبجة التي ينتمي سكانها إلى أكراد العراق، غير أن هذا الحدث الأليم اعتبره الكثيرون اختبارا حقيقيا للعاطفة الإنسانية في منطقة الشرق الأوسط على وجه العموم، والمناطق المجاورة بجغرافية الحدث على وجه الخصوص.
ورغم أن غالبية القتلى والمصابين بسبب هذا الزلزال من سكان إقليم كيرمان شاه غرب إيران الذي أصيب فيه قرابة الستة آلاف شخص، إلا أن آثاره امتدت إلى أكثر من منطقة بإيران كالأحواز وزنجان وتبريز، وفي العراق بمنطقة دربنديخان التي جرح فيها أكثر من خمسين شخصا، بالإضافة إلى ما شعر به بعض السكان من هزات خفيفة في عدد من الدول المحيطة بجغرافية المنطقة مثل مدينة السليمانية شمال العراق، والعاصمة العراقية بغداد، وبعض مناطق جنوب تركيا، ولبنان وإسرائيل.
ورغم هول الكارثة، وفقدان هذا العدد الكير من أرواح “البشر”، إلا أن التجاوب الإعلامي والإغاثي العالمي، وأينما كان مصدره يبدو حتى الآن ضعيفا ولا يتناسب مع حجم الكارثة، خصوصا وأن تشريد أكثر من سبعين ألف شخص هو عدد ليس بالقليل، وذلك لو اعتبرنا أن من قضى نحبه يحسب في عداد من هم أقل أولوية في عمل المنظمات والدول المغيثة.
أن يتشرد سبعون ألف “إنسان” بين ليلة وضحاها، هذا “قدر” كان ينبغي أن يلقى سرعة التفاعل الإنساني والإعلامي، وبالتالي سخاء التبرعات، وتدفق المواد الإغاثية من مختلف مناحي تواجد الإنسان، وذلك فضلا عن ما ينبغي حدوثه من التعاطف والمشاركات الوجدانية بين الشعوب بعضها البعض، دون اعتبار لاختلاف جنسيات البشر، أو دينهم، أو طوائفهم، أو انتماءاتهم وقناعاتهم السياسية.
الحدث كان يفترض فيه، حدوث حالة من الالتفاف الإنساني حول مناطق وقوعه، في وقت عادة ما تكون فيه مشاعر التعاطف الإنساني أقوى من لحظات تذكر الخلافات بمختلف تصنيفاتها وتعقيداتها، وذلك لأن الإنسان هو الإنسان كيفما تعقدت الظروف المحيطة به، وأن التسامي وتجاوز الخلافات بين المخلوقات صفة حميدة يتفرد بها “الإنسان” فقط دون غيره من المخلوقات التي تعيش في هذا الكوكب المليء بالكوارث البيئية والكونية والجيوليوجية، فضلا عن نكبات وضحايا الحروب التي يتسبب فيها الإنسان نفسه ويعود وبالها عليه وعلى غيره ممن يشاركونه المعيشة في هذا الكوكب… ولكن في كل الظروف يظل “الإنسان” هو سيد الموقف وهو الذي معه زمام المبادرة في إعطاء الأولوية لسيادة مبدأ التعايش السلمي.
وعليه، نأمل في أن يشكل زلزال الحدود العراقية الإيرانية رغم غلبة رائحة الموت على جغرافيته، أن يشكل نقطة انطلاقة حقيقية للاهتمام بمن يقطنون تلك المناطق الزلزالية في تركيبتها الجغرافية دون النظر إلى انتماءاتهم العرقية ودون اعتبار لمستوى الخلاف السياسي أو غير السياسي معهم، خصوصا وأن الزلازل في المناطق التي تعرف بها، وكما يراها الجيولوجيون كثيرة التكرار بشكل متواتر ويصعب التنبؤ بها، فضلا عن أن الوضع الراهن لأولئك المتأثرين بزلزال ليلة الأحد ينبغي أن يكون مؤثرا في نفوس الجميع، خصوصا وأن الرحمة صفة ملازمة لقلوب البشر مهما سيطرت عليها بعض لحظات القسوة العابرة… إنها حقا لحظة تحدٍّ حقيقية للعاطفة الإنسانية.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى