الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عالمُنا.. وعالَم التعصب والتطرف

عالمُنا.. وعالَم التعصب والتطرف

علي عقلة عرسان

عالمنا يعج بالعِداء الدفين، والآخر المعلَن، بالتعصب والتطرف، وسَدَنة العِداء، وذينك التعصّب والتطرف، يخوضون، بالأصالة والوكالة، في مستنقعاتهما الآسنة، وفي مناقع الدّم التي ينتجانها ويُخلِّفانها.. القوي منهم حاكم قاهر ظافر، وخادع ماكر ماهر، والضعيف منهم محكوم مقهور، مُهدَر الدم والحق، صاغر.. وحتى حين تأخذ المحكوم الحماسةُ، لما يعتقده، ويعنيه، ولما يُقال له، ويُشجَّعُ عليه، فإنه هو مَن يدفع الثمن، ويتحمل عبء التعصب والتطرف، ونتائجهما، ويغدو الجرح والسكين في آن، على مدى الأمكنة والأزمان..

كم نحتاج في عالمنا، المُرهَق بالأزمات والحروب والمجاعات، الغارق بالدماء، والمَسكون بالتعصب والتطرف والمكر والخداع، خداع الذات وخداع الآخر.. كم نحتاح إلى العقل والعدل والضمير الحي.. إلى الحكمة والمعايير السليمة الحاكمة للأفعال والأقوال والأشخاص والمؤسسات، وإلى المنهج العلمي الواضح، الدقيق، الصارم.. ولمن يطبقونه بنزاهة وتجرد.. كم نحتاج إلى ذلك، في مراجعات هي ضرورات حياة وعلاقات واعتماد متبادل بين الدول والشعوب، بين الجماعات والأفراد.. مراجعات، تأتي على رأسها مراجعة الذات، في ضحى المنطق والضمائر، عبر أفق مفتوح على النقاء والصفاء والوضوح، وعلى المسؤولية عن الحياة وفيها، وكل ما يديمها بخير، ويبنيها… حيث تتم في ضوء ذلك كله.. مراجعة شجاعة موضوعية، علمية وعميقة، أخلاقية وإنسانية مسؤولة، محكومة بالعقل والعدل.. لكل ما هو تعصب وتطرف، في منابعهما وأسبابهما، أصولهما وفروعهما، ظاهرهما وباطنهما.. ذينك التعصب والتطرف، المتعددي الوجوه والأبعاد والأشكال والألوان.. الممارسَين في السياسات والثقافات، والموجودين في كل الدول والمجتمعات، من دون استثناء.. ولدى أتباع ديانات، وأيديولوجيات، تحتل لدى معتنقيها، مواقع العبادات، ويرفعونها إلى مستوى التقديس والعصمة؟!.. هذا مع فوارق في الدرجات، وتنوع في التمويه والادعاء، وفي أساليب التفكير والتعبير والتدبير.. مما يجعل المراجعات المُلحة، صعبة، أو شبه مستحيلة، في بلدان ومجتمعات ولدى أفراد وتنظيمات، في مجالات وحالات كثيرة.. لا سيما تلك التي يمارس أصحابها استباقية، في الفكر والتدبير والفعل، تنطوي على نوع من العدوانية.. حيث يبادرون إلى اتهام غيرهم، بالتعصب والتطرف، وتشويههم، وإظهارهم بأشكال وصبغات وألوان، تجعلهم وحوشا، وتسوّق الفتك بهم… في حين أن أولئك “الاستباقيين” بُغاة أو طغاة، فاسدون أو مفسدون.. ومسكونون بأنواع وأشكال من التعصب والتطرف، مثلهم كتل المصابين بأورام سرطانية خبيثة، لا تظهر لهم، ولكنها تتجلى في توجهاتهم ومواقفهم وممارساتهم.. وكأنها قمم الجبال الجليدية، لا يظهر منها الأعظم والأضخم والأخطر.. ودوافع أولئك للاتهام، ولممارسات مبنية عليه، تحمل رسيسا عنصريا، حسَن الإحفاء والطلاء والبريق، ينتج التعصب والتطرف والنظرة الاستعلائية، ويعكسها على غيره فعل المرآة، ويفترِض في ذاته: طهرانيّة وفوقيّة وتعاليا وعصموية؟!.. وذاك هو التعصب والتطرف الأسوأ من نوعه، والأخطر في أدائه وإيذائه، والأصعب من حيث المعالجة، لأن المصاب به ينكره، ويفيض عدوانية وعنجهية، في وجه من يستهدفهم، لا سيما أولئك الذين يواجهونه بحقيقته “متعصبا، ومتطرفا، وعدوانيا، وعنصريا استعلائيا”؟!.. وهو يفعل ذلك في حالات، مدعيا انه المُسْتَهدَف، والضحية، رافضا أن ينظر إلى ذاته، عبر مرآة كاشفة، كجهاز كشف “طبقي ـ محوري”.. ويتمرد، شأنه في ذلك شأن بعض المصابين بالأمراض النفسية الخطيرة، وجنون العظَمة.. حيث يأبى أولئك المصابون بها، الإقرار بأنهم مرضى أصلا.. بينما يضج سلوكهم بالتعبير عن المرض، الذي ينعكس على الآخرين، ويحيلهم أعداء أو ضحايا.

وهناك من بين المتعصبين المتطرفين، مَن صنعتهم المكر والخداع، حيث يُحسنون التخفّي، والمناورة، ويتقنون ما يُعرَف بـ”التكتيك”، فلا يظهر عليهم الداء، ولا البغي العنصري والعدوان والاستعلاء، لجودة التمويه والخداع، بينما ذلك مشرِّش فيهم، متجذِّر في أنفسهم، وتشف عنه مراياهم، فيُعرَف عنهم، ويعرفون به.. مصداق قول ابن أبي سُلْمَى:
ومهما تكن عند امرئٍ من خَليقة،
وإن خالها تخفى على الناس، تُعْلَمِ
عالمنا يعج بالعِداء الدفين، والآخر المعلَن، بالتعصب والتطرف، وسَدَنة العِداء، وذينك التعصّب والتطرف، يخوضون، بالأصالة والوكالة، في مستنقعاتهما الآسنة، وفي مناقع الدّم التي ينتجانها ويُخلِّفانها.. القوي منهم حاكم قاهر ظافر، وخادع ماكر ماهر، والضعيف منهم محكوم مقهور، مُهدَر الدم والحق، صاغر.. وحتى حين تأخذ المحكوم الحماسةُ، لما يعتقده، ويعنيه، ولما يُقال له، ويُشجَّعُ عليه، فإنه هو مَن يدفع الثمن، ويتحمل عبء التعصب والتطرف، ونتائجهما، ويغدو الجرح والسكين في آن، على مدى الأمكنة والأزمان.. ورحى الحرب تدور، ويتناوب على إدارة ذلك الرحى الثقيل، غادرٌ ومغدور، مُغرَّرٌ به ومَغرور.. فمتى، يا تُرى، يبرأ عالمنا من التعصب والتطرف، أو متى يشكمهما لِجام، ويحكمهما عقل ووجدان، فيرتفع شأن العقل والعدل، ويرفعان معا شأن الإنسان.. الإنسان، ومتى يعيش البشر في هذا العالم، حياة فيها بعض السلام والرخاء والأمان؟! متى يتوقف قتل الأطفال وتشريدهم وتجويعهم، والتجارة بالدم والسلاح، وتدمير المدن والبلدات والقرى، وإقْبَارِ الأبرياء تحت ردم بيوتهم، أحياء وأمواتا.. ويتوقف نثر الدم واللحم البشريين في فضاءات العمران، وتعليقه مراوح في الشرفات، وعلى أعمدة الكهرباء، وفي أغصان الأشجار، وفي قضبان حديد المنازل المدمرة؟!.. متى ينظر التعصب والتطرف، إلى نفسيهما في المرآة، ويريان الدمار والشقاء والعار، وما ألحقاه، وما يلحقانه بالإنسان.. من فَناءٍ، وشقاء، وإهانة.. بالأحياء وبالحياة؟!.. يبدو أن ذاك سؤال، بنظر المتعصبين والمتطرفين، ساذج وتافه وسقيم، وأن جوابه العبث، والعدم، والعُقم المُقيم.

في كل يوم قتلٌ، وفي كل يوم تجديد لفعل القتل، وتجديد، بل تأبيد، لدوافعه ودواعيه وأسبابه، ولكل ما يؤكد استدامته، ويسفر عن المزيد والفريد من مصائبه.. وفي كل يوم “يغرّد؟!” مغرِّدون، مسكونون بالعنصرية والعدوان والتطرف والتعصب، بالجرم والإثم.. و”يبشروننا” بالكوليرا، والطاعون، وبثمر الحرب الملعون.. وفي كل الأوقات، ترفرف في سمائنا، نحن أبناء هذه المنطقة من العالم، المسكونة بالشقاء والموت، وموجات التعصب والتطرف، الوافد منها والمقيم، الطارف والتليد، الشائخ الدهريّ والوليد.. في كل الأوقات ترفرف أسراب الغربان، تنتاب حاضرنا ومستقبلنا، وتتناوب في فضاء نفوسنا وديارنا، هي والبوم، مدى النهار وآناء الليل، وتشبعنا نعيقا ونعيبا.. كأنما عالمنا الخاص يختصر العالم العام، أو كأننا عالمٌ خاص بنا، في هذه المنطقة من دنيا الله، منكوبة بتطرف وتعصب، يغذيه ويسمِّنه ويوظّفه سَدَنة التعصب والتطرف في العالم.. وكأن أهله محكومون بالإعدام، يُقتادون زرافات ووحدانا، بعضهم إثر بعض، في كل فجر وعصر.. إلى حبال المشانق، وإلى ميادين تنفيذ الإعدام، شنقا حتى الموت، وقتلا حتى الموت؟!
كلُّ “تغريد” أو “تصريح”، أو “بيان”، أو اجتماع، أو إعلان.. أو.. أو.. رئة متورمة بالسرطان، تنزّ بالدم والجُرم، بالإثم والسُّقم.. شهيقُها نعيب، وزفيرُها نعيق.. تمجّ في وجوهنا نار الحرب، وتلوِّث وجودنا كله، بما هو أكبر من الخطيئة وأفظع من حزّ الرقاب البريئة..

لقد ضقنا بالدم والقتل والبؤس واليأس.. بالمعارك المهالك، بالمجاعات والأوبئة، بكوليرا الأجساد وطاعون الأنفس، بالمخيمات الممتدة من نزوحنا من فلسطين إلى تلك المنتشرة في أرض الشام والعراق واليمن وليبيا والصومال.. وبطوابيرنا من الهياكل العظمية، المرضى والجياع، تستجدي الأمم، رغيفَ الخبز، والماء، والدواء..!!.. ضقنا، ضقنا، وضاقت بنا المنافي والسجون والدروب.. أفما يكفي؟! أفما من نهاية لفتك التعصب والتطرف بنا؟!، ولنعيب ساسة “يبشروننا” بإدامة الحروب والكروب، الكوارث والمآسي، المهانة والشقاء.. إدامة ذلك إلى ما بعد هذه الجولة أو تلك، من جولات المكر والنفاق والخداع والتعاسة، في آستانا أو جنيف، في مجلس الأمن أو في مجالس العزاء، بما تبقى لنا من وجود وصديق، من قريب أو شقيق أو رفيق..؟!

ضقنا، وضاق العيش بنا، إذ نقبله ونقبل عليه على هذا النحو الدني، وكأنه نوع من الحرية والتحرير، بهي.. وضقنا بالتصرف بنا، من ساسة، ومن سدنة التعاسة المسكونين بالتعصب والتطرف، وبالعُصابيين، المفتونين بالفِتَن، وحروب الوكالة، بالعمالة حتى الثمالة.. وضقنا بأنفسنا، وبكل من يتصرف بنا، وكأننا هيولى أو هلام بشر، لا شأن لهم بوجود كريم، بين الأحياء في هذا العالم الذي يغص بالأنام.. ألا.. يكفي.. يكفي.. فقد ضقنا، وضاق الصبر بنا.. الحرب العالمية دامت أربع سنوات، وها نحن على مشارف السنة الثامنة في حربنا المجنونة، وحرب عالم موبوء بالخداع والكذب، وبأنواع التعصب والتطرف والعنصرية.. حربه بنا، وحربه علينا..؟! أفما آن للعقل أن يحكُم، وللضمير أن يصحو، وللإنسان أن ينتصر على الوحش في الإنسان؟!

إن عدوّنا الألد، عدوّ الإنسانية، المسكون بالعنصرية والإرهاب، بالتعصب والتطرف.. عدونا الصهيوني الذي يحتل أرضنا، ويفتك بشعبنا، ويستبيح سماءنا.. يُعلِمنا، اليوم، ويعلِم عالم الأقوياء، الذي يغص بالتعصب والتطرف والعدوان والانحياز له.. بأنه أبلغ أصدقاءه “. أولا في واشنطن، وكذلك في موسكو، بأن إسرائيل ستتصرف في سوريا، بما في ذلك جنوب سوريا، وفقا لفهمنا ووفقا لاحتياجاتنا الأمنية”.. رويترز ١٣/ ١١/٢٠١٧، وترجمة هذا عمليا: “استباحة مفتوحة على الزمن والمدى، لسمائنا، وفضاء وطننا، وسيادتنا، وكرامتنا، بموافقة العدو والصديق، ممن يحرثون وطننا بالطول والعرض.. ويروون غرسَهم فيه، بدمنا، ويبقوننا الإباحة والاستباحة؟!”.. وها قد لاح الصباح وباح، للمرة المئة بعد الألْف، وتبيَّن الرشد من الغي، لمن يعنيه أن يتبين الرشد والغي، ويختار اختيار الأخرار.. وآن لمن يريد أن يتعظ، أن يتعظ، بما جاء من هدي، وبما جرَّبه الحيّ… وكأني بصعْصعَة بن ناجية بن عِقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، يقرعني بمقرعته الكلامي، من أيام الجاهلية، ويعظني لأعتبر، يقول:
إذا المرءُ عادى من يَوَدُّكَ صَدرُه
وكان لمن عاديتَ خِدنا مُصافيا
فلا تَقْلِهِ عمَّا لديه، فإنّه
هو الداء، لا يخفى لذلك خافيا

وهنا.. وبعد الذي كان، وصار، وما زال.. بعد اللتي واللتيَّا.. أتساءل: أليس عدونا الألدّ، العنصري الصهيوني، المحتل لفلسطين وبعض والجولان، ولقرارات سياسية سيادية عربية، ولإرادة حكام من العرب في دول، تعلن عن دورها في القيادة والريادة، من تلك “المرعية المهابة، والسيادة”.. أليس عدونا المحتل لأرضنا، هو الأولى بأن نواجهه ببَأسِنا، بدلا من أن يضاعف هو بؤسنا.. أما كنا نتخلص من كارثة الكوارث المتجددة التي يسببها لنا، أو نحدّ منها، لو أن مئات آلاف الأرواح التي أزهقت في هذه الحرب “الفتنة، اللعنة، المحنة”، وملايين المصابين والمفجوعين والمشردين، و.. و.. كانت في حرب تحرير؟! نواجه فيها مَن يحتل أرضنا، ومَن يساهم في توجيه سلاحنا إلى صدورنا، ويقوم باستباحته كل ما هو “وجودنا وسيادتنا وكرامتنا وأرضنا ومستقبلنا”؟!.. أفما آن صحوٌ من هذا الخُمَار يا تُرى؟! أم أن تعصبنا وتطرفنا، شدتنا وبأسنا، سلاحنا ودمنا.. هو فيما بيننا فقط، ولمصلحة أعدائنا فقط؟! آهٍ.. وألف آه.. وويل، ويا ويلاه.. حين يصبح العدو الألد، حاكما متحكما بالمستقبل، وبالمصير، لأمة تنقاد إلى مهاوي الردى، كما يُقاد الضرير.. وآهٍ.. ويا ويلاه.. عندما يصبح العدو الألد، حليفا للأخ الشقيق، وحليفا العدو والصديق.. يتوعدنا بأقصى ما في التعصب، والتطرف، والعنصرية، والإرهاب، والقوة بأنواعها.. بأفدح مصير؟!
وبعد الآح، والآه.. لك الله يا قاتلي ومقاتلي، ويصدق فيَّ معك، وربما فيك معي.. قول الشاعر الجاهلي، مالك بن حِطَّان بن عوف بن عاصم:
لَعمري لقد أقدَمتُ مقدَم حاردٍ
ولكنَّ أقران الظهورِ مَقَاتِلُ

إلى الأعلى