الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كم هي قاسية غربتك يا كسير النفس يا غريب!!

كم هي قاسية غربتك يا كسير النفس يا غريب!!

فوزي رمضان
صحفي مصري

أغرب الغُرَباء من صار غريبا في وطنه، وأبعد البُعداء من كان بعيدا في محل قربه، الغريب من إذا ذكر الحقَّ هُجِر، وإذا دعا إلى الحق زُجِر. الغريب من إذا أَسْنَدَ كُذّب، وإذا تطاهر عُذّب. الغريب من إذا امتار لم يْمرِ، وإذا قَعَد لم ُيَزرْ. يا رحمتنا للغريب، طال سفره من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب واشتد.

اختار الغربة فصار غريبا، واختارته الغربة فصار وحيدا، أبعده طموحه عن وطنه فأبعدته السكينة عن مسكنه، وخذلته الراحة عن راحته، نزع الدفء عن حواسه وخلع الرضا عن مشاعره، أخذته نشوة الحياة فكاد أن يفقد معنى الحياة، جسد بلا روح وجرى بلا هدف، وسعى غير مشكور، إن حصد زرعا تلفت منه زروع، وإن جنى ثمرا عطبت منه ثمرات، إن تريق حلوا تجرع مرا، وإن أضحكه زمن ساءته أزمان، كل له ثمن أغلى بكثير من كل ثمن، فكم فقد من الأحبة، وكم فقد من العمر، وكم فقد من العافية.

إنه الغريب… مهما اعتلَ فإنه الغريب، مهما ارتقَ وصفقوا له فسيبقى هو الغريب، إنه إنسان من الدرجة الثانية، ونوع من البشر غير مرغوب فيه، يزرع في غير حرثه، ويبني في غير ملكه، ويربي في غير ولده، إنه الغريب ولو علا وكبر، فما بالك بمن قل وانحدر، إنها الملهاة والسخرية، اغترب فأذله سعيه إلى لقمة العيش، اغترب وهو يجهل أنه يصارع حياة أشبه بملعب كرة القدم، فيه المكسب والربح والخسارة، فيه الكسر والإصابة والموت، بل فيه الطرد والنفي والإبعاد، كم أذل نفسه كي يتكسب، وكم انحنى ظهره كي يعيش، وكم ارتضى المهانة كي يتعايش، إنه الغريب من اغترب عن نفسه وعزل، ومن اغترب عن مكانه وهجر، ومن اغترب عن زمانه وقهر.

أين أنت من غريب لا سبيل له إلى الأوطان؟! قد علاه الشحوب وغلبه الحزن والأحزان، إن نطق نطق حزنا منقطعا، وإن سكت سكت حيران مرتعدا، وإن قرب قرب خاضعا، وإن بَعُدَ بعد خاشعا، وإن ظهر ظهر ذليلا، وإن توارى توارى عليلا، وإن طلب طلب اليأس لا غالب عليه، وإن أمسك أمسك والبلاء قاصد إليه، وإن أصبح أصبح حائل اللون من وساوس الفِكْر، وإن أمسى أمسى مُنْتَهَبَ السر من هواتك السّتْر، وإن قال قال هائبا، وإن سكت سكت خائبا، وقد أكله الخمول، ومصه الذبول، وحالفه النحول، لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه، حتى يفضي إليه بكامنات نفسه، ويتعلّل برؤية طلعته، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته، فينثر الدموع على صحن خده، طالبا للراحة من كده.

ويشاطر الوجد والأسى الفيلسوف المتصوف العلامة أبو حيان التوحيدي عندما يضيف القول على القول… يا هذا إن الغريب من غربت شمسُ جماله، واغترب عن حبيبه وعذّاله، وأَغْرَبَ في أقواله وأفعاله، وغَرَّب في إدباره وإقباله، يا هذا الغريب، يا من نطق وصفُه بالمحنة بعد المحنة، ودل عنوانه على الفتنة عقب الفتنة، يا غريب يا من إن حضر كان غائبا، وإن غاب كان حاضرا… إن رأيته لم تعرفه، وإن لم تره لم تستعرفه، لا أهل ولا زمن ولا نديم، ولا كأس، ولا سكَن.

رجل لحقته الغربة، فتمنى أهلا يأنس بهم، ووطنا يأوي إليه، ونديما يُحلُّ عُقَد سّره معه، وسكنا ينتشي منها، وسكنا يتوادع عنده… وغريب من اكتنفته الأحزان من كل جانب، واشتملت عليه الأجان من كل حاضر وغائب، وتحكمت فيه الأيام من كل جانب وذاهب، واستغرقته الحسرات على كل فائت وآئِب، وشتّته الزمان والمكان بين كل ثقة ورائب، أتت عليه أحكام المصائب والنوائب، وصف بالغريب حيث لا اسم له فيذكر، ولا رسم له فيشهر، ولا طي له فينشر، ولا عذر له فيعذر، ولا ذنب له فيغفر، ولا عيب عنده فيستر.
أغرب الغُرَباء من صار غريبا في وطنه، وأبعد البُعداء من كان بعيدا في محل قربه، الغريب من إذا ذكر الحقَّ هُجِر، وإذا دعا إلى الحق زُجِر. الغريب من إذا أَسْنَدَ كُذّب، وإذا تطاهر عُذّب. الغريب من إذا امتار لم يْمرِ، وإذا قَعَد لم ُيَزرْ. يا رحمتنا للغريب، طال سفره من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب واشتد.

ضَرَرُه من غير تقصير، وعظم عناؤه من غير جدوى يقول التوحيدي… الغريب من إذا قال لم يسمعوا قوله، وإذا رأوه لم يدوروا حوله، الغريب إذا تنفس أحرقه الأسى والأسف، وإن كتم أكمده الحزن واللّهَف، الغريب من إذا أقبل لم يُسع له، وإذا أعرض لم يسأل عنه، الغريب من إذا سأل لم يعط، وإن سكت لم يُبْدَأ، الغريب إذا عطس لم يُشَمَّت، وإن مرض لم يُتفقَّد. الغريب من إن زار أغْلق دونه الباب، وإن استأذن لم يُرفع له الحجاب وإذا نادى لم يُجبْ.

أيها السائل عن الغريب ومحنته هو من كله حرقة، وبعضه فُرْقة، وليلُه أَسَف، ونهارهُ لهف، وغَدَاؤه حَزَن، وعشاؤه شَجَن، وآراؤه ظنن، وجميعه فِتن، ومفَرِقه مِحَن، وسِرُّه عَلَن، وخوفه وطن يا هذا! أنت الغريب في معناك.
اللهم إنّا قد أصبحنا غرباء بين خلقك، فآنسنا في فِنائك، اللهم وأمسينا مهجورين فاجعلنا من المجبورين المؤجرين.

إلى الأعلى