الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : وطني على وعيّ وإدراك وخطىً حصيفة

بداية سطر : وطني على وعيّ وإدراك وخطىً حصيفة

خلفان المبسلي

لا يختلف اثنان ولا يتنازعان بأن حب الوطن من الايمان، فلحب الأوطان قصص وأبطال وأساطير تحكيها الأزمان، ولها عشّاق وأحداث ولها تجري التضحيات الجسام، فمن العشاق من ينجح ويخطف الأضواء لأنه يحمل بين أضلعه حبا ثابتا لا يتزعزع بمتغيرات الحياة وأحداثها، فلا يعرف غير الثبات والتفوق وحمل الراية عالية تراقص الرياح وتناطح السحاب، ومنهم من يتعثر فيندب حظه فيولي الحياة ظهره، ويبقى رهين الفشل أينما ولّى وجهه فيسير عكس الزمان والمكان.
إنّ حب الأوطان حبّاً أبديّاً نابضاً على الدوام هو من الوقار والإيمان، لما يحمل من قيمة سامية كبرى لا تقدر بكنوز الأرض وما يليه من صدق الأفعال والتعابير والأقوال جعلتنا نعشق تراب الوطن لأنه الأرض والقيادة والشعب وهو قبلتنا ومحرابنا وعنواننا في الحرب والسلام فغدا لنا الوطن ذاك الطفل المدلل وتلكم الشباب الصادق المفعم بالحيوية والقوه وتلك الشيخوخة التي نقرأ من وجنتيها ملامح وطن شامخ عزيز لأنه المولد والمثوى.
أحببناك يا وطني لأنك وطن التاريخ والحضارة والأمجاد، وطن علا وتقدم على هامات أبناءه، وطن شيّد بسواعد أبنائه، إنه الوطن أرض الآباء والأجداد منذ الأزل، فمن الطبيعي أن يصبح ملاذ قلوبنا، والشمس التي تشرق علينا اليوم وغدا، فغدا عقيدتنا حتى صار أسطورة الزمان والمكان في الحياة، فتسلحنا بالعلم حتى نحميه من عادي الأزمان، فصار العلم لنا سلاح العصر وسرّ التّقدّم، فغدت عمان اليوم رمزاً شامخاً من رموز العالم، تتفيّأ مكانة مرموقة بين دول العالم أجمع، ويشهد التاريخ على عراقة بلادنا واصالتها، ويسطر بماء الذهب ماضيها الحافل العريق، الممتد بين أقطاب العالم شرقاً وغرباً.
إنّ حبنا وتقديرنا لك يا وطني نابع من صميم ذواتنا، لأنك رمز للعطاء، ومنبع للأمان، فكم من رجال أنجبت بقوا أسطورة يفخر التاريخ بهم، وكم صنعت من قادة أفذاذ يضرب بهم أروع الأمثال ويذاع صيتهم خالداً ومرسوماً على جبين الدّهر.
تاريخك الحافل بالمعطيات، كان حصناً منيعاً لنا من أعادي الزمان وقهر الرجال، وكان بلا شك ملجأ أميناً لضحايا الظّلم والطّغيان.
لو تعلم مدى فرحي حين أتصفّح مجلّدات التاريخ والأخبار، واكتشف أنّ مُلكك وسيطرتك وعمرانك لمّا يضرب به المثل من حيث الاتّساع والعدالة وحبّ الآخر.
لو تدركون كم أعتزّ ببلدي عمان حين ألتقي بهذا وذاك في أقطار العالم، ممّن لم يزرك قط، لكن بمجرّد أن يدري أنّني ابنك يبدي لي الاحترام والتّقدير والتبجيل، ويطيل الحديث في تمجيدك دون رياء، ويحلف بأنّك على خطى حصيفة ووعي يُحسد عليه.
لقد عرفت يا وطني أنّ من يزرع شرّاً فإمّا أن يحصد هو الشّرّ والبغضاء والعدوان، وإمّا أن يكون الحاصدَ ابنُه، وأنّ من يزرع خيراً فإنّ هذا الخير يلمّ بخلفه أجمع.
ها نحن اليوم نجد إقبالاً أينما نتّجه فنندمج في مجتمعات يصعب فيها الاندماج، لما آل إليه العالم من توخّي الحذر والاحتياط. إذا كان قديمك يا وطني مجداً وسؤدداً، فإنّ حاضرك ليس عنه ببعيد، إذ سعيت إلى بعث هذا المجد الدّاثر، فوجدته خاضعاً يجرّ إليك أذياله، ونبراساً يعيد إلى الذّاكرة ما كان منسيّاً.
لله درّك يا وطني! أدركت أنّه بالإرادة لا يستحيل نقل الجبل، وأن تعلّم ابنك صيد السّمك خير له من أن تفهمه كيف يأكل السّمك.
وعلى هذا كان العلم شعارك والعمل عمادك، فتركت الكرّة في يد أبنائك، عسى أن يفهموا مقصدك، إذ بالإشارة يفهم اللّبيب.
فلا ريب أن يصبح اليوم وطني على وعي وإدراك وخطى حصيفة.
*dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى