الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / رحاب : ذق الصيام

رحاب : ذق الصيام

في أول يوم من الشهر الفضيل، رأيت المساجد عامرة بالمصلين وخاصة الشباب، ولاحظت أن الأسواق حافلة بالمتسوقين، وكانت النفوس ساكنة والسلوك متعقلا والطاقات السلبية مصفدة، بينما هالات النور والروحانية تعتمر الصائمين، يتحرك الناس في هدوء، يسبقهم اعتذارهم في أماكن ازدحام السيارات أو حتى في الأماكن العامة. يتردد في عقلي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لو تعلم أمتي ما في رمضان من خير لتمنوا السنة كلها رمضان”. والخير هو ما يفضله الناس لفائدته ونفعه. ومن خلال الممارسة الرمضانية يكتشف المسلم نفسه أنه يتحرر ذاتيا من الكثير من الممارسات والعادات التي كان مدمنا عليها خارج هذا الشهر الفضيل، يعي الصائم أنه يصوم باختياره وبنيته وأن العلاقة بينه وبين خالقه علاقة ثنائية، علاقة لا تحجبها وساطة ولا تتطلب أدوات، فهي علاقة مباشرة، يكون العبد فيها ذاكرا وداعيا ومتصلا من خلال الصيام والصلاة والقيام والقرآن، فيزيد وعيه بالله سبحانه وتعالى، وتزيد الحميمية بينه وبين ربه، ويتطور إدراكه القلبي، وتصفو جوارحه وتتهيأ روحه للإشراقات والنفحات. فهو موسم النور في حياة المسلم.
يبدأ المسلم صيامه فيغفر له ويبلغ مرحلة الأوج بتلقيه الرحمة ويختم أيامه وقد أعتق من النار، ويكون في حالة صفاء كما لو كان مولودا بلا ذنوب أو آثام” يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (من صام شهر رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، فهو علاج نفسي وروحي يمسح كدمات الماضي وآثامه ويعيد إلى المسلم الصائم ثقته بنفسه ويطهر قنوات التواصل الروحي مع اللامحدود في أعماقنا.
لا يدرك الناس نفحات رمضان كتفسير منطقي، لكنهم يشعرون بهذه النفحات في واقع حياتهم بمختلف ضروبها وأنواعها، فيلمس الصائم البركة في الرزق، والبسطة في المعاش، والتراحم بينه وبين من حوله، ويلجم الشر في أعماقه وتطفأ النزوات، ويصير الصائم كائنا آخر، نظيفا، نقيا، روحانيا، شفافا.
و من بين الذين يدركون سر الصيام وقوته؛ أولئك اللاعبين في منتخبات المونديال، ممن قرروا الصيام وخاصة لاعبي منتخب الجزائر ومنتخب فرنسا، فخبرتهم مع الصيام تجعلهم يصرون على الصيام متحملين الجوع والعطش؛ لأن خبرتهم الروحية تتيح لهم مددا لا يعرفه و لم يخبره بعض المدربين من المسلمين وغير المسلمين ممن يعتقدون بأن صيام اللاعبين سيكون عامل هزيمة وليس عامل فوز، لكن خبرة بعض المدربين الأجانب مع اللاعبين المسلمين في مثل هذه الظروف تجعلهم مطمئنين إلى أن أداء اللاعبين الصائمين سيكون عامل انتصار وليس سببا للهزائم.
والعجيب أن يجهل الكثير من المسلمين أن أغلب انتصارات المسلمين حدثت في رمضان وأن أبطالها كانوا صائمين، ما يجعلنا نجزم ونتيقن بأن الصوم لله والله وحده من يجزي به سواء في حياة الصائم أو بعد لقائه بربه.
ويؤكد المدير الفني لمنتخب مصر منذ عدة أعوام تحقيق فريق الشباب لكرة القدم الفوز في بعض مباراتهم وهم صائمون، وهو يؤكد أن الصيام يرفع معنويات اللاعبين.
إن الخبرة الروحية للصيام لا يعرفها إلا من يذوقها، فهي تجربة ذوقية بامتياز، ويصعب على من لم يخضها أن يقيمها. وكل من يستمتع بصيام رمضان، يعلم علما أكيدا أن رمضان بلا منازع هو شهر النفحات، شهر تغيير الذات، شهر الميلاد الجديد لكل إنسان ينشد التغيير والتخلص من العادات السلبية وبناء العادات الإيجابية.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى