الإثنين 22 يناير 2018 م - ٤ جمادي الأولي١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الوطن والشباب

الوطن والشباب

– الوطن له حقوق عديدة، علينا أن نحفظ ماءه الذي طالما ارتوينا به والحفاظ على أرضه

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
إن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحُث الإنسان على حب الوطن؛ ولعل خير دليلٍ على ذلك ما صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه وقف يُخاطب مكة المكرمة مودّعاً لها وهي وطنه الذي أُخرج منه، فقد روي عن عبدالله بن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمكة:(ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ) ـ رواه الترمذي، ولولا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو مُعلم البشرية، يُحب وطنه لما قال هذا القول الذي لو أدرك كلُ إنسانٍ مسلمٍ معناه لرأينا حب الوطن يتجلّى في أجمل صوره وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظاً تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر. الوطن، يا لها من كلمة صغيرة في عدد حروفها، ما أكبرها وأعظمها وأشملها في المعاني، فكلمة الوطن تعني البيت والحضن الدافيء.

الوطن له حقوق عديدة علينا أن نحفظ ماءه الذي طالما ارتوينا به، والحفاظ على أرضه التي طالما تعبنا ونحن نلعب فوقها ونمشي عليها، تلك الأرض التي وفّرت لنا غذاءنا، والتي لطالما سحرتنا بجمالها الخلاب، وخضرتها الرائعة التي لهونا في ربوعها، يجب علينا أن نحمي سماءها التي لطالما لعبنا تحتها، وتنشقنا هواءها، يجب علينا أن نعمل على حمايته، والحفاظ على جماله، فعندما نتغنى ونسحر بجماله، يجب علينا أن نعمل لنحفظ على الجمال، بل لنزيده أيضًا.
بعد كل ما سبق ذكره فإنّه من الواجب علينا كردٍ لهذا الجميل الكبير أن نفديه بأرواحنا، أن نجود بدمائنا رخيصة لأجله، أن نقدم كل غالٍ ونفيس من أجل الحفاظ على حريته واستقراره، وأن نمنع كل تحدٍ يعوق دون رخائه، حتى لو اضّطهدت في وطنك، حتى وإن ظُلمت في وطنك، يبقى هو الحضن الدافئ الذي يضمك، يقول في ذلك الشاعر: (بلادي وإن جارت عليّ عزيزة).

وعندما نذكر الوطن وأهمية حمايته، فإنّا نذكر الشباب أصل حضارته، وعمود تقدمه، وطاقته الدائمة المتدفقة الدافعة به في مصاف الدول تعتبر أيام الشباب من أعز الأيام التي تبقى عالقة بذاكرة الإنسان، روي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أنه قال: ما بعث الله نبياً إلا شاباً، ولا أوتي العلم عالم إلا شاباً، ثم تلا هذه الآية:(قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) وقد أخبر الله تعالى به ثم أتى يحيى بن زكريا الحكمة قال تعالى:(وآتيناه الحكـم صـبياً)، وقال تعالى:(إذ أوى الفتية إلى الكهف)وقال جل شأنه:(إنهم فتية آمنوا بربهم) وقال ـ جلّ من قائل:(وإذ قال موسى لفتاه) الكهف. ولقد ضرب القرآن الكريم المثل بالشباب .. فكان المثال الأول هوسيدنا النبي إبراهيم ـ عليه السلام، فإنه كان يتطلّع إلى الآفاق الواسعة، ويفتش عن الحقائق الناصعة ، ويملك الشجاعة العالية، فيتأمل ويفكر في ملكوت السموات والأرض، حتى أدله الله تعالى على الحقيقة، فآمن بالله وتبرأ من الأصنام ومن كل المشركيـن. فقال الله تعالى في كتابه الكريم:(وَكَذلكَ نُري إِبرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَمَاوَاتِ وَالأرضَ وَلِيَكونَ مِنَ المُوقِنِيـنَ) (الأنعام ـ 78)، وبهذا يصبح سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ القدوة لكل الفتيان والشباب.

إن دور التربية الإسلامية يتمثلُ في تنمية الشعور بحب الوطن عند الإنسان في ما يلي:

1 ـ تربية الإنسان على استشعار ما للوطن من أفضالٍ سابقةٍ ولاحقة عليه (بعد فضل الله سبحانه وتعالى) منذ نعومة أظفاره، ومن ثم تربيته على رد الجميل، ومجازاة الإحسان بالإحسان لاسيما أن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف تحث على ذلك وترشد إليه كما في قوله تعالى:(هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ) (الرحمن ـ 60).
2 ـ الحرص على مد جسور المحبة والمودة مع أبناء الوطن في أي مكانٍ منه لإيجاد جوٍ من التآلف والتآخي والتآزر بين أعضائه الذين يمثلون في مجموعهم جسداً واحداً مُتماسكاً في مواجهة الظروف المختلفة.
3 ـ غرس حب الانتماء الإيجابي للوطن، وتوضيح معنى ذلك الحب، وبيان كيفيته المُثلى من خلال مختلف المؤسسات التربوية في المجتمع كالبيت، والمدرسة، والمسجد، والنادي، ومكان العمل، وعبر وسائل الإعلام المختلفة مقروءةً أو مسموعةً أو مرئية.
4 ـ العمل على أن تكون حياة الإنسان بخاصة والمجتمع بعامة كريمةً على أرض الوطن، ولا يُمكن تحقيق ذلك إلا عندما يُدرك كل فردٍ فيه ما عليه من الواجبات فيقوم بها خير قيام.
5 ـ تربية أبناء الوطن على تقدير خيرات الوطن ومعطياته والمحافظة على مرافقه ومُكتسباته التي من حق الجميع أن ينعُم بها وأن يتمتع بحظه منها كاملاً غير منقوص.
6 ـ الإسهام الفاعل والإيجابي في كل ما من شأنه خدمة الوطن ورفعته سواءٌ كان ذلك الإسهام قولياً أو عملياً أو فكرياً، وفي أي مجالٍ أو ميدان لأن ذلك واجب الجميع وهو أمرٌ يعود عليهم بالنفع والفائدة على المستوى الفردي والاجتماعي.
7 ـ التصدي لكل أمر يترتب عليه الإخلال بأمن وسلامة الوطن، والعمل على رد ذلك بمختلف الوسائل والإمكانات الممكنة والمُتاحة.
8 ـ الدفاع عن الوطن عند الحاجة إلى ذلك بالقول أو العمل.
وقد رسم شبابنا العماني صفحة مشرقة في بناء عمان المجد عمان الحضارة وتكريماً للشباب ودوره في بناء عمان خصص جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم عام 1983 عاماً للشبيبة، وعام 1993م عاماً للشباب، ويوم السادس والعشرين من أكتوبر من كل عام يوم الشباب العماني.
إن الاحتفال بيوم الشباب العماني يعكس المعنى العميق الراسخ الذي حملته رؤية جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ نحو الشباب، واعتبارهم الركيزة الأساسية في عمليات التنمية والبناء الوطني، وستظل دعوة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى الارتقاء بمهارات الشباب وربطها بمهارات سوق العمل وهو هدف ثمين في ظروف العالم الصعبة من خصوصيات النهج العماني لمسيرة البناء والتنمية.

إلى الأعلى