السبت 21 يوليو 2018 م - ٨ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / رضي الله عنهم ورضوا عنه

رضي الله عنهم ورضوا عنه

إعداد/علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: سنتحدث اليوم عن الصحابي الجليل مصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ وغيره من القدوة الأخيار فلقد كان مصعب شاباً ذا هيئة وجمال وكمال وكان أترف غلام بمكة بين أبويه فلما انتسب إلى مدرسة الشباب المحمدي تخرج فيها بتفوق واضح فكان الأمين لأهل المدينة وسفير النبي (صلى الله عليه وسلم) إليهم .. فقد كان لمصعب أثر واضح في اهل المدينة إذ نشر الاسلام في ربوعها وعلم الكثيرين من شباب الأنصار وأبنائهم التوحيد الخالص ومبادئ الاسلام السمحة وحب القرآن وحب نبي الاسلام الذي رباه وربى أصحابه الشباب تربية نادرة.
لقد اتسم هؤلاء الشباب من الصحابة الأخيار بأخلاق عليّة اقتبسوها من مربيهم ومعلمهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنقلوا ذلك كله الى الأجيال التي تربت أيضاً على أيديهم وبهذه التربية ظهرت نفوس صافية لا تعرف الخداع والغش والمكر والخيانة، قلوب خالصة لله وحده لا تعرف إلا التوحيد والنقاء، وأيضاً ربى الرسول (صلى الله عليه وسلم) الشباب على العلم والعمل .. فكيف يا ترى كانت تربيته (صلى الله عليه وسلم) للشباب على العلم والعمل؟!.
كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يربي أصحابه على مائدة القرآن الكريم ليتلقوا منه أمر الله تعالى فيعملوا به ويتربوا عليه وكان يحث الشباب على حفظ أوقاتهم فيما فيه فائدة لهم في دينهم ودنياهم ومجتمعاتهم فأقبلوا على ذلك إقبالاً شديداً وأخذوا يعودون أنفسهم على العمل بما تعلموا منه (صلى الله عليه وسلم) وأخذوا يخدمون أهلهم ومجتمعهم حتى سادوا دنيا السادة.
وكان شباب الصحابة يختلفون الى النبي (صلى الله عليه وسلم) فيصيبون منه علماً ويقتبسون سجايا وآداباً وأحكاماً بحسب ما تسمح لهم أوقاتهم وظروفهم، قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهو من عوالي المدينة فكنا نتناوب النزول على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينزل يوماً وأنزل يوماً فإذا نزلت جئته بعلم ذلك اليوم وإذا نزل فعل مثل ذلك، وهكذا كان شباب الصحابة يحرصون على ملازمة مجالس النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان بعضهم أكثر ملازمة له (صلى الله عليه وسلم) وأكثر إحاطة بما يقول ويفعل.
وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يربي أصحابه الشباب على العلم وكانت تربيته لهم تربية متوازنة لا شطط فيها فاصبحوا علماء ربانيين وكانوا قدوة لمن بعدهم وكانوا أمة وسطاً في علمهم وعملهم وفي جميع شئون حياتهم بعيدين عن المغالاة والتشدد والإكراه وبعيدين عن الافراط والتفريط، فمن ألوان التربية النبوية العلمية والعملية للشباب أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يربيهم على القصد في العبادة وملازمتها والمداومة عليها والوقوف عند حدود الدين الحنيف، وقد روت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ جانباً من صورة الشباب المتربي في مدرسة النبوة فقالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيغضب حتى يعرف في وجهه (صلى الله عليه وسلم) ثم يقول:(إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا).
وكان (صلى الله عليه وسلم) يربي الشباب على الاتزان والتوسط والمداومة على صالح الأعمال دون طلب المشقة ومن ذلك ما أخرجه البخاري بسنده عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال:(دخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد).
لقد لاحظ النبي المربي (صلى الله عليه وسلم) ما يفعله أصحابه وما تفعله الصحابيات وأن بعضهم يطلب المشقة في العبادة فأمرهم أن يداوموا على ما يطيقون من الأعمال بلا عنت ولا إرهاق ولا تضييق فالاسلام دين يسر وعليهم أن يعملوا وفق هذا اليسر لأن الله هو الذي يتغمد عباده برحمته، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لن ينجي أحدا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال:(ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد تبلغوا).
إنّ المداومة على الأعمال الصالحة في اعتدال هو المقصد الأسمى الذي تربى عليه شباب الصحابة في مدرسة النبوة فقد كان (صلى الله عليه وسلم) يأمرهم من الأعمال بما يطيقون القيام به شريطة أن يداوموا عليه وإن كان قليلاً وكان يرغبهم في الاستمرار عليه لأن في ذلك الأجر والثواب من الله تعالى وفي ذلك يقول مرغباً:(أحب الأعمال الى الله تعالى أدومها وإن قل)، وعن مسروق قال: سألت عائشة ـ رضي الله عنها:(أي العمل كان أحب الى النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم).
من خلال هذه الأحاديث يظهر لنا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يربي الشباب وغيرهم بفعله وذلك قبل قوله وتوجيهه لهم، وكان لهذه القدوة العلمية والعملية بليغ الأثر في نفوس الصحابة الشباب خاصة ولذا فقد كانت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها:(إذا عملت العمل لزمته) تأثراً بالنبي (صلى الله عليه وسلم).

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى