الخميس 18 أكتوبر 2018 م - ٩ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المسؤولية المجتمعية في الإسلام (3)

المسؤولية المجتمعية في الإسلام (3)

- حضارة سبأ ذكرها القرآن كنموذج غريب انتهت حضارتُه جراء سكوت مجموع الأمة عن واجب الدعوة

د جمال عبدالعزيز أحمد:
المسؤولية المجتمعية مقررة في الإسلام ومعروفة، وقد عرض القرآن الكريم لنموذجين وضح فيهما كل ما يتعلق بتلك المسؤولية، وقد ذكرت أحدهما في اللقاء السابق، وأعرض هنا في هذا اللقاء النموذج الثاني من القرآن الكريم، والذي تحكيه لنا هذه المرة سورةُ سبأ، حيث يذكر القرآن الكريم نموذجًا غريبًا دالت دولتُه، وانتهت تمامًا حضارتُه جراء اقتراف المعاصي، وسكوت مجموع الأمة عن واجب الدعوة، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنها حضارة سبأ، حيث جنتا سبأ اللتان كانت الواحدة منهما ملءَ السمع والبصر، وكانت تنشر النعمَ في كل مكان، حتى قالوا: إن المريض كان إذا مَرَّ، واستنشق هواءها شُفِي من ساعته، ولم يحتجْ إلى علاج، ولا إلى طبيب، وقالوا: إن المرأة كانت تمشي تحمل المِشَنّ (وهو زنبيل كبير من الجريد .. ونحوه) فوق رأسها، فإذا مشت امتلأ مِشَنَّها من غير أن تمسك غُصناً، ولا تهزّ فرعًا، ولا تحذف أو تضرب بالحجارة نخلاً، إنما كان الخير ينتشر في كل مكان كما قال تعالى في آيات أُخر:(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)، وقال سبحانه في آية أخرى:(لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم)، وكانت هذه المدينة المسماة بسبأ ـ كما يذكر القشيري بقوله: إنها لم تكن جنتين فحسب، بل أراد من الجنتين يمنة ويسرة أنه كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار، وثمار تستتر الناس بظلها وظلالها، وقالوا: لم يكن بها هَوَامّ لطيب هوائها، وقال عبد الرحمن بن زيد: لم يروا فيها بعوضة قط، ولا ذُبَابًا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية، ولا غيرها من الهوام، وزاد أنهم إذا جاؤوا وفي ثيابهم القمل والدواب، فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت الدوابُّ والقمل، وكل أذى فيهم، وكانت المرأة ـ كما سبق أن قلت ـ تمشي فيهما، وعلى رأسها مكتل، فيمتلئ من غير أن تمسك بيدها، وقيل: كانتا بين جبلين في اليمن، يقول الله عز وجل:(لقد كان لِسَبَأ في مسكنهم آية جَنَّتَان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور)، فهل كان هؤلاء عند مطلوب السماء؟، وهل قاموا بشكر النعمة والمُنْعِم، وهل قاموا بحق هذه النعمة؟، إن من يشكر الله يزده، ويضاعف رزقه، وهو إذن من الله تعالى على الدوام:(وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم)، ولكنه قال بعدها:(ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)، فلم يوجد في هذه القرية أحدٌ من الدعاة يأخذ بأيدي الناس إلى رحاب ربهم، أعرضوا، وتنكروا، وتنكبوا الطريق، فماذا كان حالهم؟!، وكيف كانت عاقبتهم؟ قال تعالى:(فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل)، ولم يكن الله قد ظلمهم، قال تعالى:(وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)، وقال تعالى:(ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور)، أمر مخيف أن يسمَّى عدم الشاكر للنعمة، المدبر عن شكر صاحبها كافراً، وفعله فعل الكفر، ومآله مآل الكافرين، يقول ابن كثير: كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانوا في نعمة وغبطة داخل بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم، وزروعهم، وثمارهم، وبعث الله تعالى إليهم الرسل، تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والعرم في البلاد أياديَ سبأ شذر مذر، وذكر السدي أن الله تعالى أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي، والمراد بالعرم المياه أو الوادي أو الماء الغزير، جعل الماء ينساب في أسفل الوادي، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار، وغير ذلك، ونضب الماء على الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، فبدلهم الله بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خَمْط، وهو الأراك، وأكلة البربر، وَأَثْل، وهو الطرفاء، أو شجر يشبهه، وشيء من سدر قليل، (وهو كان بالنسبة لهم أجود الأشجار، وهو السدر)، وهذا الذي صار من أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار الناضجة، والمناظر الحسنة، والظلال الوارفة العميقة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكبير، والثمر القليل وذلك بسبب كفرهم، وشركهم بالله، وتكذيبهم لأنبيائه، وعدم رضوخهم للحق، وعدولهم عنه إلى الباطل وطرقه:(ذلك جزيناهم بما كفرواً) أي: عاقبناهم لكفرهم، ولا يعاقب إلا الكفور، نعم، وكما قال الحسن البصري ـ رضى الله عنه: صدق الله العظيم، وهل يعاقب بمثل فعله إلا الكفور، وقال ابن أبي حاتم: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة، وقيل : وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها، هذا جزاء الإعراض عن الشكر بالسير في طريق الكفر، وهي طريق صعبة وعرة، كلها ابتلاءات، وغضب من رب الأرضين والسموات، وفيها تدمير للحضارات، وتعكير لصفو الحيوات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى