الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / رمضان المبارك

رمضان المبارك

هنيئا لكم بلوغ شهر رمضان المبارك، وإنها والله لمن أعظم النعم وأجزل العطايا وأكرم المنن، من الكريم المنان ذو الجود والكرم والإحسان، كم من الناس تأملوا إدراكه فلم يدركوه، واشتاقوا لبلوغه فلم يبلغوه.
حق للمؤمنين أن يستبشروا بشهر الصيام، وأن يهنئوا بقدومه، ويتنعموا بنفحاته ، ويسعدوا بمكرماته، كيف لا وقد سعدت البشرية فيه بنزول القرآن كتاب الهدى والنور المبين والفرقان قال تعالى:(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) كيف لا وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يبشر أصحابه وأمته بقدومه، مبينا فضائله ومكرماته ويقول:(أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر ، من حرم فيها فقد حرم) ـ رواه النسائي.
ويقول (صلى الله عليه وسلم) مستحثا هممكم ومستثيرا لعزائمكم ومشعلا جذوة الحماس والتنافس في قلوبكم فيقول:(جاءكم شهر رمضان شهر بركة ، يغشاكم الله فيه ، فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء ، ينظر إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله)، إي والله يا عباد الله وهل هناك أشقى ممن حرم رحمة الله التي وسعت كل شئ، في شهر فتحت فيه أبواب الرحمة ، وصفدت فيه الشياطين وقال فيه (صلى الله عليه وسلم):(من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال: ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال:( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) فكيف ننجو عباد الله من هذا الحرمان والشقاء ؟ وكيف نكون في شهرنا هذا من الفائزين والسعداء؟.
وكما أوصانا نبينا (صلى الله عليه وسلم)، أن يكون صيامنا وقيامنا وسائر أعمالنا إيماناً أي: تصديقا بمشروعيته، وتحقيقا لفرضيته، وإتباعا لهدي كتاب الله تعالى وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم)، فلا يصام رمضان عادة بل عبادة وقربى، يراعى فيه المسلم أركانه، ويحقق واجباته، ويتجنب محظوراته، ويتحرى سننه وآدابه، ثم يؤديه احتسابا لأجره، وتحريا لثوابه، فلا يستثقل صيامه ولا يستطيل أيامه، بل يحتسب فيه الثواب حين يطرق لكل عمل صالح باب ، ويستشعر فيه المنزلة العظمى التي خصه الله تعالى بها، حيث قال جل وعلا في الحديث القدسي بلسان نبيه (صلى الله عليه وسلم):(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فكيف بجزاء الرحيم وكيف بعطاء الكريم؟ ثم علينا عباد الله لنكون بصيامه من السعداء، ونتجنب الحرمان والشقاء، ان نحقق مقصود الصيام وحقيقته ونؤديه كما أراد ربنا جل وعلا وأمر بقوله:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، فليس الجوع والعطش والامتناع عن الشهوة من مقاصد الصيام عباد الله، بل مقصوده الأسمى وغايته الأولى عمارة التقوى في القلب، التقوى التي تملأ القلب خوفا ورجاء وحياء لله تعالى، فيفيض على الجوارح ما تخضع فيه لشرع الله تعالى وحكمه، ويستقيم المرء عندها على صراط الله المستقيم ليكون من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، ألا ترى نفسك يا عبد الله في هذا الشهر المبارك تتحرى لصيامك عن دقائق المبطلات، وتتجنب صغير المكروهات؟ تلك هي بذور التقوى التي زرعها الصيام في قلبك لترعاها بعد انقضاء الشهر فتكون لك زادا إلى لقاء ربك يقول ـ جل وعلا:(وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولى الألباب) ، وقال الشاعر:
إن لم يكن في السمع منى تصاون وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي من صومي الجوع والظمأ فإن قلت إني صمت يومي فما صمت

وإذا ما حقق المسلم تلك القواعد الثلاث، كان عليه أن يحفظ ذخيرة صيامه، ويرعى حرمة لياليه وأيامه، بأن يتجنب مفسداته، ويتوقى من مبطلاته وهدّاماته ، من اللغو والرفث ، وقول الزور وسيئ الأخلاق ، ومن إطلاق البصر في المحرمات ، وهدر الأوقات بالملهيات لا سيما لبعض الفضائيات التي جندت شياطينها لهدم صيام الصائمين، قال (صلى الله عليه وسلم):(ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام عن اللغو والرفث ، فإن سابّك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم)، وقوله (صلى الله عليه وسلم):(من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ، نسأل الله تعالى أن يتقبل صيامنا وقيامنا وأن يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
اعلموا أثابكم الله أن رمضان شهر الجود والإحسان، وهكذا كان حال نبيكم (صلى الله عليه وسلم) فيه ، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسله) فاقتدوا عباد الله بنبيكم ، وتعاهدوا المحتاجين بالبر والرحمة والإحسان ، فإن من فطّر صائما كان له مثل أجره ، وتفقدوا المحتاجين وأعينوهم بما أفاء الله عليكم ، وصلوا أرحامكم وأحسنوا لجيرانكم، ورمضان شهر التلاوة والذكر والقرآن، فأقبلوا على كتاب الله ربكم، فإن الصيام والقرآن قرينان يشفعان للمرء يوم القيامة، وقد كان السلف الصالح إذا جاء رمضان التزموا مصاحفهم وتركوا ما سواها يتلون القرآن آناء الليل وأطراف النهار، واستكثروا أثابكم الله فيه من الخيرات وفعل الطاعات وعمل الصالحات فإن الثواب في رمضان جزيل، والحسنات مضاعفة فتنافسوا فيها ففي ذلك فليتنافس المتنافسون ولمثل هذا فليعمل العاملون، وإنما هو ـ كما وصف ربنا جل وعلا: (أياما معدودات) سرعان ما تنقضي أيامه وتطوى لياليه، فأروا الله من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله، والسعيد من فاز برحمته ورضوانه، هذا وصلوا وسلموا على الحبيب محمدا (صلى الله عليه وسلم) وعلى أله وصحبه أجمعين .

إعداد : مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى