الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حل جيلا جلميئيل!

حل جيلا جلميئيل!

عبداللطيف مهنا

موديل نتنياهو للحل، الذي هو عنده، كما قال، قيد البحث، هو “حكم ذاتي دون سيادة” للفلسطينيين، ومن لا يعجبه فليختر حل جلميئيل، أو الانتقال، ليس إلى سيناء، كما قالت، لأن هذا ليس في وارد المقبول فلسطينيا قبل مصريا، ولكن الالتحاق بأكثر من نصف الفلسطينيين الموجودين في ديار الشتات مشرّدين في أرض الله الواسعة، إذا لم تتسع للمزيد منهم، ولن تتسع، الأرض العربية…

ليس للفجور العدواني الاحتلالي في فلسطين من حدود. نوهنا دائما إلى أن تصاعده هو في تناسب طردي مع هاوية انحدارات الواقع العربي المشهودة، تردفها بطبيعة الحال رداءة الحال الفلسطينية كانعكاس ملازم بالضرورة لهذا الواقع. إثر المواجهات المقدسية الناجمة عن اندلاع انتفاضة الأقصى الأخيرة ضد الاحتلال، هدد وزير صهيوني سابق، هو تساحي هانقبي، الفلسطينيين بـ”نكبة ثالثة”، ذلك إن هم لم يوقفوا ما يطلق عليه “دائرة العنف”، بمعنى إذا هم لم يتخلوا عن مقاومة الاحتلال.
لاحقا، الوزيرة جيلا جلميئيل طرحت نسختها المعدلة من حل للجنرال جيورا آيلاند، الرئيس السابق لما يدعى “مجلس الأمن القومي”، للخلاص نهائيا من القضية الفلسطينية وتصفيتها، ذلك عبر مضاعفة مساحة محشر غزة، والقول للفلسطينيين اذهبوا هذه هي دولتكم، وبخصوص ما لم يهوَّد أو سيهوَّد لاحقا من الضفة، فحكم ذاتي لتجمُّعات سكانية لا غير…تعديل الوزيرة على حل الجنرال يقضي بأن يكون الضعف المضاف لقطاع غزة مقتطعا من سيناء المصرية، وبالنسبة لفلسطينيي الضفة فتكرَّمت عليهم بخيارين لا ثالث لهما، إما البقاء تحت الحكم الصهيوني “دون هوية”، أو “الانتقال لدولتهم في سيناء”!
في احتفالية مئوية وعد بلفور اللندنية، التي أقامتها بريطانيا على شرف ضيفها نتنياهو، قال الأخير إننا بصدد البحث عن “موديلات ونماذج للسيادة الفلسطينية على الأرض، بما فيها دولة من دون حدود مع بقاء المستوطنين”. هو في الجوهر لم يأتِ بالمختلف عن طرح الجنرال وتعديل الوزيرة المضاف، لكنما زايد عليهما في الوقاحة قليلا، عندما اعتبر أن إخلاء الضفة من المستعمرين يعد “تطهيرا عرقيا”، كما وعدَّ بقاءهم فيها مقابلا للفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين المحتلة عام 1948 إثر النكبة…وقاحته بلغت مداها عندما قال لاحقا في خطابه في الكنيست المحتفي بدوره بذات المناسبة البلفورية، إن السبب في الصراع العربي ـ الصهيوني طيلة المئة عام ما كان إلا لعدم “الاعتراف بالصهيونية” لا غير!
ما تقدم ما هو إلا بعض من عيّنات لا أكثر من شأنها أن تعيدنا إلى ما كنا نقاربه بشكل أو بآخر في مقالات سابقة، وجوهره تلازم مثل هذا التصعيد في الفجور الصهيوني مع المدى الذي بلغه التنفيذ للاستراتيجية التهويدية لفلسطين المحتلة، وقطعا لا بد من أن نضيف إليه ما أشرنا إليه بدايةً كمحفّز، وهو التناسب الطردي مع فداحة الانحدار المتسارع في الواقع العربي ورداءة الحال الفلسطينية، الوجه الآخر للعملة العربية الراهنة.
هوّد فعلا، أو ما هو في واقع المتهوّد، من فلسطين المحتلة حتى الآن، 85% من مساحتها الكلية. البقية، الـ15%، والتي هي في غالبها تجمُّعات سكانية لمدن وقرى ومخيّمات، تحاصرها وتباعد بينها المستعمرات والطرق الالتفافية والحواجز والمناطق العسكرية، وتظل برسم واحد من خياري جيلا جلميئيل…بل حتى قطاع غزة، المحرر أرضا والمحتل جوا وبحرا، والمحاصر صهيونيا وعربيا، اقتطع عمليا 24% من مساحته القليلة، كمنطقة محرّمة، أي عازلة على طول حدوده مع المحتل العام 48.
موديل نتنياهو للحل، الذي هو عنده، كما قال، قيد البحث، هو “حكم ذاتي دون سيادة” للفلسطينيين، ومن لا يعجبه فليختر حل جلميئيل، أو الانتقال، ليس إلى سيناء، كما قالت، لأن هذا ليس في وارد المقبول فلسطينيا قبل مصريا، ولكن الالتحاق بأكثر من نصف الفلسطينيين الموجودين في ديار الشتات مشرّدين في أرض الله الواسعة، إذا لم تتسع للمزيد منهم، ولن تتسع، الأرض العربية…”الحل الإقليمي” نتنياهوي المنشأ هو لحمة وسداة “صفقة القرن” الترامبوية، التي ينتظر غيثها بعض العرب وعلى دربها يدلق عطشى الأوسلويين قربتهم. هذا ما تشي به التسريبات، والذي لا يخرج عن ذات السياقات التصفوية المنسجمة مع ما بلغه حصاد الاستراتيجية التهويدية، والمتناسب أيضا مع تردي الواقع العربي.
…ما يدعونه مشروع “إنقاذ القدس”، ومقصودهم إنقاذها من المقدسيين، بإخراج ما كانت القرى الفلسطينية الملتصقة بها وباتت مع الوقت ضواحيها ثم من صلب أحيائها، شعفاط، العيسوية، جبل المكبّر، بيت حنينا، صور باهر وسواهن، من بلدية القدس وضمهن لحل “الحكم الذاتي بلا سيادة”، يعني التخلُّص من 300,000 فلسطيني عملا على تحويلها ما أمكن لمدينة يهودية خالصة.
كل السياقات التسووية، أو التصفوية للقضية الفلسطينية، التي بصدد الطرح، أو التي ستطرح مستقبلا، سوف تكون قطعا متجاوزة لخرافة ما كان يدعى إيهاميا “حل الدولتين”، التي استنفد الغرض منها وأتى على احتمالاتها الواقع التهويدي في ظل كارثية التغريبة الأوسلوية التفريطية، ومعها أيضا خرافة أخرى ليست بالجديدة، لكنها اليوم بدأت تطل برأسها في الأوساط الأوسلوية، وهي المدعوة “حل الدولة الواحدة”، والتي بالنسبة للصهاينة تعادل، ليس القضاء على فكرة “يهودية الدولة” فحسب، وإنما انتحار كيانهم الغاصب، ويرفضونها رفضهم لحق العودة للاجئين الفلسطينيين…كل هذه السياقات لا ولن تتعدى مشاريع كانتونات ابارتهيد تحت طائلة خياري جيلا جلميئيل وبانتظار سنوح فرصة الترانسفير..
…ما يعني ليس أمام الشعب الفلسطيني إلا خيار واحد أوحد ولا من سواه هو المقاومة وإدامة الاشتباك حتى إفاقة الأمة من غيبوبة راهنها، ومن ثم العودة بالصراع إلى مربعه الأول.

إلى الأعلى