الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حوار مع المسماري والحايس يثير الجدل في مصر

حوار مع المسماري والحايس يثير الجدل في مصر

محمد عبد الصادق

نفى أديب الاتهامات الموجهة إليه بأنه أجرى الحوار وفقا لتوجيهات وإملاءات أمن الدولة, موضحا أن هذا الزمن ولَّى ولا تستطيع جهة مهما امتلكت من أدوات توجيه الرأي العام في مصر الذي يعيش حالة من الإنكار والشك في كل شيء, وتتسع فيه دائرة الظنون والاتهامات وتحول الجميع لمحللين سياسيين, حتى أن بعضهم ادعوا أن المسماري اختطفته قوات اللواء خليفة حفتر في يناير الماضي وظل موجودا في السجن ببنغازي

بعد طول غياب عاد الإعلامي المصري الشهير عماد الدين أديب للظهور على شاشة إحدى الفضائيات المصرية, من خلال حوار أجراه مع الإرهابي الليبي عبدالرحيم المسماري المتهم بالمشاركة في العملية الإرهابية ضد قوات الشرطة المصرية في منطقة الواحات, والتي راح ضحيتها 17 من قوات النخبة التابعين للشرطة المصرية، وأسر الضابط محمد الحايس الذي خرج والده يناشد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عبر شاشات التليفزيون بإرجاع ابنه إليه حيا أو ميتا, لتبدأ بعدها عملية مطاردة واسعة للخاطفين بالطائرات والمدرعات وقوات المشاة وأجهزة المخابرات وقصاصي الأثر لتتبع آثار الإرهابيين, حتى استطاعت الطائرات بعد رحلة بحث استمرت 11 يوما في عمق الصحراء رصدهم وتصفيتهم وتدمير مركباتهم وأسلحتهم الثقيلة التي كان من بينها صواريخ سام 6 ومدافع مضادة للطائرات حصل عليها الإرهابيون من مخازن السلاح بمدينة درنة الليبية, التي وقعت في أيدي الجماعات المتطرفة عقب سقوط نظام العقيد معمر القذافي في فبراير 2011م.
نجا من هذه العملية اثنان: الإرهابي الليبي الذي حاول الفرار تجاه الحدود الليبية والاتصال بجماعته في ليبيا لطلب النجدة عن طريق هاتفه المحمول, والضابط المصري الأسير الذي استغل انشغال خاطفيه بمحاولة الهرب من قصف الطائرات وفر للصحراء حتى عثرت عليه فرق البحث مصابا بجروح متوسطة بالقرب من موقع المعركة، وتم نقله بالطائرة إلى أحد المستشفيات العسكرية لتلقي العلاج.
وقتل نتيجة القصف الجوي 17 إرهابيا جميعهم مصريون؛ بينما استطاع الإرهابي الليبي عبدالرحيم المسماري التخفي من ملاحقة الطائرات عن طريق غطاء سيارة “مشمع” أصفر بلون الصحراء وضعه فوق رأسه ليستظل به من أشعة الشمس ورصد الطائرات ونجح في السير باتجاه الحدود الليبية لمسافة 80 كيلومترا , حتى وصل لمدينة تسمى “المناجم” تابعة للواحات البحرية المصرية وهناك شك فيه الأهالي, بعد حديثه عن الدولة الكافرة والمجتمع الفاسد، وكذلك من لهجته المختلفة وملابسه المشابهة لملابس المتطرفين, فأبلعوا عنه السلطات المصرية التي أرسلت قوات الشرطة والجيش لتقبض عليه حيا بعد معركة قصيرة حاول خلالها المسماري المقاومة.
الحوار الذي أجراه عماد الدين أديب أثار حالة من الجدل بين المشاهدين الذين رأى بعضهم أنه أعطى فرصة للإرهابي للترويج لأفكاره المتطرفة وكسب تعاطف المشاهدين, نتيجة ثباته الانفعالي وإصراره على قناعاته بأن قتل رجال الشرطة والجيش لا يخالف صحيح الدين, بل إنه تنفيذ لشرع الله وفعل يؤجر عليه في الدنيا والآخرة، وأنه ينام قرير العين ولا يشعر بتأنيب الضمير، وليس لديه أدنى إحساس بالذنب تجاه ذوي الضحايا؛ لأن نفس الأمر يقع على الإرهابيين الذين يراهم أحق بلقب الشهيد, لأنهم قتلوا في سبيل الدفاع عن العقيدة والشرع وإقامة حدود الله.
حمل الكثيرون على المحاور واتهموه بالفشل في محاورة الإرهابي, بسبب تواضع معلوماته الدينية, مما اضطر عماد أديب لإجراء لقاء صحفي مع “جريدة الأهرام” للرد على منتقديه, قال فيه إنه اكتشف أن المسماري يعرفه جيدا من خلال الحلقات التي حاور فيها معمر القذافي والمتهمين الليبيين في قضية لوكيربي في مطلع الألفية رغم صغر سنه في ذلك الوقت , وأكد أديب رضاه عن الحوار واعتبره سبقا صحفيا وفرصة ذهبية أتاحت له العودة للساحة الإعلامية المصرية التي تركها مضطرا منذ خمس سنوات.
وأكد أنه ليس أول إعلامي يحاور إرهابيين أو أعداء للدولة؛ فقد سبق أن حاور الإعلام الأميركي الجنود اليابانيين الذين قاموا بعملية بيرل هاربر, والإعلام الفرنسي أجرى حوارا مع الإرهابي كارلوس, كما حاور الإعلام اللبناني إرهابيين من “داعش” والقاعدة, وسبق للتليفزيون المصري في سبعينيات القرن الماضي محاورة الجاسوسة المصرية انشراح التي تجسست على مصر لصالح إسرائيل قبل حرب 1973م, مبديا تقبله للاختلاف وتعدد وجهات النظر, ودلل على ذلك بحواره مع السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في تسعينيات القرن الماضي؛ حيث كان أنصار حزب الله سعداء بما جاء في الحوار, بينما كان أنصار الفريق الآخر غاضبين, ونفس الأمر تكرر تجاه حواره مع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في 2005م؛ حيث أحبه أنصار مبارك, وثار ضده المعارضون.
معترفا بأنه رغم حالة الغضب والكراهية تجاه المسماري, لكنه حاول أن يعطيه فرصة لكي يتكلم ويشرح دوافعه وفقا للمبادئ الإعلامية المتعارف عليها, مشبها الإعلامي بالجراح الذي يجري عملية لمريض إرهابي لا بد أن يجري العملية له وفقا لأصول المهنة بغض النظر عن حبه أو كرهه للمريض, لأن الإعلامي كالطبيب لا بد أن يكون محايدا ومتجردا من انحيازاته الشخصية عند التعامل مع محاوره.
وعن اتهامه بالسماح للإرهابي بتسويق أفكاره المتطرفة؛ نفى أديب مؤكدا أن العكس هو الذي حدث حيث كشف الحوار ضحالة أفكاره وفساد عقيدته التكفيرية, وأكد أديب أنه فضل ألا يخوض مع الإرهابي في معتقداته الدينية أثناء الحوار, لأن الأفكار التكفيرية تمكنت منه ولا أمل في إصلاحه, وإنما ما كان يعنيه هم فئة الشباب والمشاهدين المؤيدين أو المتعاطفين مع الجماعات المتطرفة, لذلك قرر الاستعانة بالمتخصصين من أهل العلم للرد عليه في المسائل والأحكام الفقهية مثل ادعائه قتل الرسول لأعمامه وتعريف الجهاد في الإسلام, وحتمية إقامة دولة الخلافة.
نفى أديب الاتهامات الموجهة إليه بأنه أجرى الحوار وفقا لتوجيهات وإملاءات أمن الدولة, موضحا أن هذا الزمن ولَّى ولا تستطيع جهة مهما امتلكت من أدوات توجيه الرأي العام في مصر الذي يعيش حالة من الإنكار والشك في كل شيء, وتتسع فيه دائرة الظنون والاتهامات وتحول الجميع لمحللين سياسيين, حتى أن بعضهم ادعوا أن المسماري اختطفته قوات اللواء خليفة حفتر في يناير الماضي وظل موجودا في السجن ببنغازي, حتى استعانت به السلطات المصرية عقب عملية الواحات الأخيرة لإلصاق تهمة الإرهاب بمدينة درنة الليبية, تمهيدا لتوجيه ضربات لها.
وعن لقائه بالضابط الأسير محمد الحايس ولماذا لم يسأله عن تفاصيل 13 يوما قضاها مع الإرهابيين؟ وكيف خروج حيا وسط الضربات الجوية؟ قال أديب إن الحالة الصحية للضابط ما زالت حرجة نظرا لما تعرض له أثناء الأسر والعملية العسكرية، وإن الأطباء لم يسمحوا بأكثر من دقيقة أو دقيقتين للحديث معه, وطلبوا منه تجنب ذكر الأحداث لأن في ذلك خطورة على حالته، ورغم ذلك كانت الدقائق المعدودة كفيلة بتقريبه من قلوب المشاهدين وحاز على حبهم وتعاطفهم وتعاملوا معه كبطل كاد يفقد حياته دفاعا عن وطنه.

إلى الأعلى