السبت 29 يوليو 2017 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. حين تعطل مؤسسات الرقابة

شراع .. حين تعطل مؤسسات الرقابة

خميس التوبي

بين المغالاة في الأسعار المسكوت عنها والاحتكار المرغوب فيه، وبين الضبطيات اليومية للسلع المغشوشة والفاسدة، يبحث حماة الرأسمالية المتوحشة عن شماعات صالحة يعلقون عليها أعذارهم الواهية لتبرير ممارساتهم اليومية ومحاولاتهم فرض إرادتهم رغم أنف المستهلك وإخضاع سعر السوق بما يتفق وأنفسهم المريضة.
وبين هذا وذاك يواصل المناطحون شحذ قرونهم للدفاع عن تلك الممارسات ومناطحة المستهلكين البسطاء الرافضين لتلك الممارسات بحقهم، وتأطيرها في إطار لوحات عدة منها لوحة “حرية السوق” ولوحة “استقرار السوق” ولوحة “الاستثمار”.
وفي ثنائية الجمع بين المسؤول التاجر والتاجر المسؤول، تفقد المؤسسات صلاحياتها وأدوارها وتفقد القرارات هيبتها وشرعيتها، ويتفشى الاحتكار والجشع والطمع ويستشري الغش والفساد، ويتحول المستهلك ساعتئذ إلى أداة طيعة قابلة للابتزاز، وفأر تجارب ومكب نفايات لكل ما هو فاسد ومغشوش من السلع.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات ضبط السلع المغشوشة والفاسدة والمنتهية الصلاحية، وتجنيب الدولة ويلات اقتصادية واجتماعية وصحية، تستمر المحاولات لتحجيم المؤسسات الرقابية ودورها لصالح زمرة من الرأسماليين النفعيين الذين لا همَّ لهم سوى الربح السريع وبأسهل الطرق وأسرعها ولو على حساب صحة المستهلك ودخله المحدود ووضعه المعيشي البسيط جدًّا، في تأكيد واضح أن في الرأسمالية لا اعتبار للمستهلك ولا قيمة له من حيث المبادئ والقيم.
إن تلك الأطنان المضبوطة من السلع الفاسدة التي تملأ الأرفف والثلاجات في محلات البيع التي نشاهدها كل يوم تقريبًّا على صفحات الصحف، تدعو إلى وقفة جادة من قبل المستهلكين أنفسهم من أجل وضع حد لهذا الاستخفاف بالصحة والحياة واعتبارهم من قبل التاجر مجرد وعاء ومكب لسلعه الفاسدة والمغشوشة والتي فوق ذلك يدفع المستهلك لشرائها أضعاف قيمتها السوقية الحقيقية، ومن أجل وضع حد لغياب الأمانة والقوانين، وكذلك لابد من وجود ثقافة استهلاكية تبدأ أولًا بمعرفة تاريخ إنتاج السلعة وانتهائها، والشراء بقدر الحاجة فقط، ومراعاة التنويع في الاستهلاك، واللجوء إلى المقاطعة كأسلوب في التعبير عن رفض المغالاة والاحتكار ومظاهر الجشع والطمع.
إن ثقافة الاستهلاك باتت اليوم ضرورية للتغلب على مغالاة بعض التجار وجشعهم وطمعهم، وترويض النفس على سياسة التقشف والاقتصاد. فالشراهة في الشراء واقتناء السلع فوق الحاجة هما أهم عاملين أديا إلى توحش بعض التجار وانتهاجهم أساليب التحايل والغش والفساد والاحتكار والطمع والمغالاة، فهل هناك حاجة فعلية تجعل المرء أو المرأة يجر أمامه أكثر من عربة وفي شهر رمضان المبارك الذي جعله الله فرصة للناس لترويض أنفسهم وتعويدها على الاقتصاد وعدم الإسراف والتبذير؟
صحيح أن غياب الرقابة ونقص القوانين الرادعة لهما دورهما في ظهور هذه الممارسات غير الأخلاقية لدى طغمة من التجار، لكن في المقابل غياب ثقافة الاستهلاك والترشيد لدى المجتمع لدرجة الإهمال وعدم الاكتراث عجَّل بظهورها واستشرائها لدرجة دفعت أصحاب هذه الممارسات إلى محاولات البحث عن مخارج قانونية لتغطية ممارساتهم وتشريعها، والتحجج بالعرض والطلب والتنافسية وحرية السوق.
وبدل أن تكون ثقافة الاستهلاك والترشيد للمجتمع هي الكابح الحقيقي وهي السائدة في المجتمع، ساعد غيابها على سيادة ثقافة الغش، وكأن أفراد المجتمع باتوا مسلِّمين بهذه الثقافة بصفة عامة، سواء كانت حالات الغش كبيرة أو صغيرة، وأن الغش والطمع والاحتكار غدَا أمرًا واقعًا وقدرًا محتومًا في حياتهم يستوجب التعايش مع صوره وأنماطه، بينما منطق الأشياء ونضج التعامل يحتمان على جميع أفراد المجتمع البحث عن بدائل وأنماط عيش يمكن معها إرغام التاجر الغاش والمحتكر والطماع على احترام المستهلك بدلًا من إنهاكه وابتزازه، وتوعية ذلك التاجر بأن تجارته كاسدة فاسدة لولا هذا المستهلك.
إن ثقافة الاستهلاك المتضمنة الأساليب التأديبية والعقابية لكل تاجر غاش ومحتكر وطماع، يجب أن تسود المجتمع لتقضي على تلك الصورة النمطية التي يصدق عليها المثل القائل ” القط يحب خانقه” وذلك بتهافت المستهلكين على المراكز التجارية التي ضبطت فيها مخالفات تغيير في الأسعار وغش في الصلاحية وبيع سلع فاسدة من لحوم وألبان وغيرهما، وبالتالي عدم محاولة الفهم بأن من ضبط متلبسًا بهذه المخالفات وتكرر فعله، يعني أنه قد فعلها من قبل وعلى استعداد لأن يواصل نهجه ضد المستهلكين الذين يا ترى كم واحدًا من بين هؤلاء المستهلكين راح ضحية هذه الممارسات غير الأخلاقية والمخالفات غير القانونية إما بمرض مزمن عضال أو وفاة أو تشوهات؟ وكم كلف خزينة الدولة في علاجه؟ وكم كلف ذاته أعباء مالية في سبيل دفع مضرة وجلب شفاء؟
ما من شك إنها أسئلة تفرض ذاتها في ظل ما يراه التاجر المحتكر والطماع والجشع والمبتز تشجيعًا له في ممارساته ومخالفاته، وضوءًا أخضر للاستمرار في ذلك، من إقدام جهات تشريعية في البلاد على استصدار قرارات تلبي مطامعه وتعادي الطرف الآخر وهو المستهلك، وهو ما يهدد بانهيار منظومة القيم والمبادئ وأواصر تماسك المجتمع، ويهدم بنيان الأخلاق والاستقرار، فبدل أن تشيع تلك في المجتمع، تتفشى فيه ظواهر الغش والاحتكار والفساد والطمع والجشع إيذانًا بدخول مستنقعات الفوضى وأوحال الفقر والمرض والجهل. ولذلك فإن وعي المجتمع وثقافته وتطبيقه العقوبات التي يمتلكها أحيانًا أقوى من القوانين التي يجب أن تتكامل مع وعيه وثقافته ونضجه في ممارسة صلاحياته في حمايته من المغالاة والطمع والجشع والغش والتحايل والابتزاز.

إلى الأعلى