الأحد 17 نوفمبر 2019 م - ٢٠ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا.. عربية الوجه واللسان والهوية

سوريا.. عربية الوجه واللسان والهوية

علي عقلة عرسان

لنا أن نسأل، نحن الذين يريدوننا “بقايا سوريا العربية”: تُرى كيف نغير جلدنا/جلدها، وتاريخنا/تاريخها، ووجهنا الحضاري/وجهها.. ومن نكون، ومن تكون، من قبل ومن بعد؟!.. ولكل من أولئك الذين يرفعونهم “شعوبا، وأوطانا، ورؤوسا، وانتماءات، وقوميات، وثقافات، و.. و… لكل منهم سَنَد أو مرجع أو حامٍ، أو مُحرِّك، أو ولي أمر، وألف مصلحة ودافع..؟! والكل، في هذه الحالة، ووفق هذا التوجه، وهذا المَعنى والمبنى لوطن ودولة.. لا يعنيه أن تكون سوريا “موحَّدة، قوية، وآمنة، ومستقرة..”.. بل ما يعنيه حقا، ألا تقوم لها قائمة..

بعد استعادة الجيش العربي السوري وحلفائه على مدينة البوكمال، وبعد اجتماعه بالرئيس بشار الأسد يوم الاثنين في ١٥ تشرين الثاني/نوفمبر، وفي نهاية أعمال القمة الثلاثية “الروسية، التركية، الإيرانية” في سوتشي، يوم الأربعاء ٢٢/١١/٢٠١٧ أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عدة اتصالات مهمة، مع رؤساء دول معنية مباشرة بالحرب/الكارثة في سوريا، وبالحل السياسي للمسألة السورية.. انطلاقا من قناعة عبر عنها، في وقت سابق، بقوله: “إن الأمور بلغت مرحلة جديدة، تتيح البدء بتسوية سياسية في سوريا.. وإن عملية “مكافحة الإرهاب” فيها، تشارف على الانتهاء، وإنه يجب إضفاء الطابع الرسمي على التسوية، في إطار عملية جنيف”. وكان على رأس من اتصل بهم، حول الموضوع، الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وعن حديثهما، الذي استمر ساعة من الزمن، جاء أنهما شددا على: “الحاجة إلى إيجاد حل سلمي للحرب الأهلية السورية، وإنهاء الأزمة الإنسانية، والسماح للاجئين السوريين بالعودة إلى بلادهم”.. وأنهما شددا على، أو أكدا، أهمية: “ضمان الاستقرار في سوريا موحدة، بعيدا عن التدخلات، وخالية من الملاذات الآمنة للإرهابيين”.. وعلى “تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 2254 الذي يحدد آليات التسوية السياسية للأزمة السورية”. كل هذا الكلام المعسول، أو هبات الهباب، في الكواليس السياسية، ليس جديدا علينا، نحن السوريين المنكوبين بالسياسة والحرب والكارثة، الذين نلهث في الحر والقَر، وراء بصيص نور في نهاية النفق، يفضي بنا وببلدنا، إلى الخروج من الحرب/الكارثة/ الأزمة/الاحتلال، التقاسم، وتهديد التقسيم.. ويضع حدا لاستمرار تهافت الأحوال.. أحوالنا.. إذ منذ سبع سنوات من الحرب والتدمير والتشريد، وحتى بعد الهزائم الأخيرة والكبيرة، لتنظيم الدولة.. ونحن نسمع أنه “لا حل للأزمة/للمسألة السورية، إلا الحل السياسي”، بينما تستمر الحرب على قدم وساق، ويستمر ابتلاع الأقوال، عند عتبات الأفعال؟! وليس من المهم، أو من الضروري، كما يبدو، أن نفهم هذا التناقض الصارخ، بين الأقوال والأفعال.. فذاك شأن من شؤون السياسات والرِّئاسات.. ودخولنا في هذه الدهاليز، لا يخفِّف من مكابداتنا، وليس استرجاع الماضي بمآسيه، وما يتوطن فيه من نفاق سياسي قتال، هو ما نهفو إليه، ونرتجيه.. لأن ما يهمنا الآن، هو أن يكون حاضرنا بلا دماء، ومستقبلنا إلى رجاء، وأمن، وسلم، وبناء.. وعلى هذا، فأن يعلن الرئيسان الكبيران، الآمران الناهيان إلى حد قد لا يُحد.. أن يعلنا “اتفاقهما” على حل سياسي، من دون حرب؟! فتلك نعمة.
لكن ما جاء بعد هذا الإعلان الرئاسي، ذي البعدين السياسيين، الأميركي والروسي، والكلام المعسول.. يعيدنا إلى المربعات الأولى، وإلى الزمن الذي طرح فيه كوفي أنان برنامجه ورؤيته للحل، في ما يتم التأكيد عليه اليوم، وكل يوم بـ: وذلك وفق “بيان جنيف ١”، وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وأبرزها القرار ٢٢٥٤، لكن لا يُلْتَفَتْ إلى تلك المرجعيات بجد، وما يجري على أرض الواقع يناقضها، ويكاد يدفنها، وفي كل مكان تعقد فيه اجتماعات ومؤتمرات ولقاءات، تتصل بالمسألة السورية.. تتم المناورة عليها، وباسمها.. لتبقى الحرب، ويبقى الصراع، ويبقى الخداع.
وما جاء، مما أشرنا إليه آنفا، هو تصريح جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأميركي، للواشنطن بوست، الذي قال فيه: “.. لن نقدم ببساطة الآن على الانسحاب من سوريا، ولن ننسحب قبل بدء ظهور نتائج جنيف، وسوف نُجلي بعض قواتنا عن سوريا، إلا أننا سنربط ذلك بحزمة من الشروط”.
وأكدت الـواشنطن بوست: “أن القيادة الأميركية لا تعتزم إجلاء قواتها، وتخطط للإعلان عن قيام سلطة جديدة في شمال سوريا”. (المصدر”إنترفاكس”). وردا على هذا الإعلان/الموقف.. قال فلاديمير شامانوف، رئيس لجنة مجلس الدوما الروسي لشؤون الدفاع: “إذا ما أردنا توصيف النوايا الأميركية، بلغة سهلة ومفهومة، فهي ليست إلا وقاحة من العيار الثقيل. وهم بذلك، أي الأميركان، ينتحلون شخصية صاحب الشِّقة”.. إن التسوية في سوريا، في مرحلة ما بعد القضاء على الإرهاب، سوف تبقى رَهنا لجملة من العوامل، ولممارسات القوة الثالثة، أي الولايات المتحدة الأميركية”. ومن المعروف، المؤكد، أن مثل هذا التصريح لشخصية روسية مسؤولة، أو لأمثالها، لا يتم، مبنى ومعنى، إلا بناء على موافقة وتوجيه من أعلى.. كما أنه تضمن الإشارة إلى عدم شرعية التدخل، أو الوجود الأميركي في سوريا، في حين أن التدخل، أو الوجود الروسي فيها، شرعي، إذ تم بناء على طلب الدولة السورية.
والنتيجة التي نجدها على أرض الواقع، لهذه المشادة السياسية المستمرة.. أننا، بعد الكلام المعسول، أو التجاذب الكلامي المَقبول، بين الرأسين العالميين الكبيرين.. خرجنا من الكلام، وأدلجنا في الظلام، وبقينا الضحايا.. إذ أعادونا إلى ما هو الجد، والواقع القاسي.. حيث كل قوة خارجية موجودة في سوريا، تتمترس في مواقعها، وتضاعف قدراتها، وتوسع قواعدها ومرتكزاتها، وتفرض وجودها، وتستمر في التصارع فيما بينها، بنا وعلى حسابنا.. ومن ثمَّ فهي تمنع عمليا، أي اتفاق يُفضي إلى السلم، لأنها تستمر في الاقتتال، من خلال الوكلاء، والواجهات، والأدوات، والعملاء.. ولا تتردد أبدا في توجيه قواتها التي في سوريا، أو تلك التي في قواعد خارجها، للتدخل، مناصرة للحلفاء، والوكلاء، والأدوات، والعملاء، والـ.. والـ.
ويظهر هذا الذي يشق صفوفنا، ويحول دون خروجنا، نحن السوريين، الضعفاء أو المستضعفين، من مآسينا.. يظهر أكثر وأكثر، في تزامن اجتماعات ومؤتمرات حدثت، تعبر، على الرغم من تباعد المواقع، عن تراكب المشكلات وتعقّدها، وتشير إلى استمرار الصراع، في مستوى أدنى من مستوى الدولتين القطبين، أي بين الحلفاء، والردفاء، والمتعاونين المعنيين بالحدث السوري، وبالمسألة السورية.. سواء أكان أولئك من المعنيين مباشرة، أو ممن هم على صلة وطيدة بهم، وفاعلين لديهم.. حيث المهم في ذلك، هو ما نقرؤه، وما نستنتجه، مما سيكون على أرض الواقع، بصرف النظر عن النوايا الطيبة، إن وُجِدَت. وتزامن الأحداث الذي أشير إليه، كان بين سوتشي والرياض..
ففي القمة الثلاثية، في سوتشي، “وجه الرؤساء الثلاثة، دعوة إلى ممثلي النظام السوري، والمعارضة الملتزمة بوحدة البلاد”؛ للمشاركة البناءة في مؤتمر الحوار السوري.. واتفقوا على الإسهام، بشكل فعّال، من أجل نجاح المؤتمر، وأن الدول الثلاث ستقرر، بالتشاور، المشاركين في المؤتمر”.. وأكد الرئيس بوتين “.. أنه من المخطط، خلال هذا المؤتمر.. جمع ممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية، والمعارضة الداخلية والخارجية، والطوائف العرقية والدينية، حول طاولة المفاوضات”. واتفق الرؤساء الثلاثة على مساعدة السوريين، في إيجاد حل سياسي للنزاع، “ضمن إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.. يتضمن إجراء انتخابات حرة ونزيهة، بإشراف أممي، يفضي إلى صياغة دستور، يحظى بتأييد الشعب”. وقد أشار الرئيس بوتين، في مؤتمر القمة، وفي اتصالاته الدولية بالمعنيين، إلى “تمسك القيادة السورية، الذي تم تأكيده لنا، بمبادئ الحل السلمي للأزمة السياسية، واستعدادها لإجراء الإصلاح الدستوري، وانتخابات حرة بإشراف من قبل الأمم المتحدة”./ روسيا اليوم ٢٢/١١/٢٠١٧
وفي مؤتمر الرياض ٢، أكد بيان المعارضة، على أمور، منها ما هو خلافي، منذ بيان “جنيف ١”، وتفسيراته، أي ما يتعلق بدور للرئيس بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، وفي السياسة السورية.. ومنها ما هو موضوع مفاوضات، وليس شروطا مسبقة. وأكد أن حل الأزمة السورية هو حل سياسي، وفق القرارات الأممية ذات الصلة”. ومما أشير إليه في البيان الختامي لمؤتمر الرياض، النص الذي اقتبِسَ من بيان جنيف ١، حيث إن الحل السياسي، سيكون وفق النص: ” إقامة هيئة حكم انتقالية، باستطاعتها أن تهيئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية”، و”أن من الجوهري الحرص على تنفيذ العملية الانتقالية، على نحو يكفل سلامة الجميع، في جو من الأمن والاستقرار والهدوء”. وطالب البيان بوضع جدول أعمال، يستند إلى بيان جنيف ١ الصادر بتاريخ ٣٠ حزيران/ يونيو ٢٠١٢ وإلى القرارات الدولية ذات الصلة، لا سيما القرارات ٢١١٨، و٢٢٥٤، و٦٧/٢٦٢
وفي هذا الذي أشرت إليه، مما جاء في بيان القمة الثلاثية “الروسية، التركية، الإيرانية”، في سوتشي، ومؤتمر الرياض ٢، استناد إلى مرجعيات دولية متَّفَق عليها، الإعلان عن توجهات، تناقضها تماما، ممارسات، ومناورات، ومتابعة سلوك، لا يفضي إلى الهدف المنشود.
ومن اللافت للنظر، ومما يجدر بالسوريين المهتمين بوطنهم، وبانتمائهم، وهويتهم، أن يتوقفوا عنده، ويدققوا في تفاصيله ومراميه، ويواجهوا معاني الاتفاق عليه، وسلوك السبل المفضية إليه، من دون مناورات أو مداورات، وباتفاق تام، من دون حوار، ولا مفاوضات، بين الأطراف المعنية بالمسألة السورية، ومن دون نأمة اعتراض من أحد، هو الآتي:
١ – أنه، من المخطط خلال مؤتمر سوتشي، الذي سُمي في وقت سابق، “مؤتمر شعوب سوريا: “… جمع ممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية، والمعارضة الداخلية والخارجية، والطوائف العرقية والدينية، حول طاولة المفاوضات”.
٢ – أنه ورد في بيان المعارضات السورية، في مؤتمر الرياض٢ : “عبر المؤتمرون عن التزامهم بأن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات، يضمن دستورها الحقوق القومية لكافة المكونات من عرب وكرد وتركمان وسريان وآشوريين وغيرهم، بثقافاتهم ولغاتهم على أنها لغات وثقافات وطنية..”.
وعلى هذا، فإنهم جميعا يلتقون على أن سوريا شعوب، وقوميات، وثقافات، ولغات، وحضارات.. وأنها طوائف متحاربة، ومذاهب متصارعة، وديانات متعادية.. فعلى أي شيء سيجمعون السوريين مستقبلا في وطن واحد، موحد، متماسك؟! على أية ثقافة، وأية وطنية؟! مما وصفوه وكرسوه، في دولة دولة مساحتها ١٨٥ ألف كم٢، وتعداد سكانها حوالي ٢٥ مليون نسمة؟! وهم لا بد يعرفون، أنه في بلاد كل من المرجعين الكبيرين اللذين يرعيان “المسألة السورية، والحل السياسي لها ولأزمتها”، يوجد لغة مشتركة واحدة، وثقافة واحدة.. وأنه على الأميركي والمتأمرك، مثلا، لكي يكون أميركيا، أن يتقن اللغة الإنجليزية، ويدخل في الثقافة الأميركية الموحَّدَة؟! إنهم يوافقون في النتيجة على حذف العروبة والإسلام، من تاريخ “سوريا الجديدة”، أو سوريا المستَقْبَليَّة، على تغيير الاسم والهُوية، ويرفضون انتماء سوريا إلى أمتها العربية؟!.. ولنا أن نسأل، نحن الذين يريدوننا “بقايا سوريا العربية”: تُرى كيف نغير جلدنا/جلدها، وتاريخنا/تاريخها، ووجهنا الحضاري/وجهها.. ومن نكون، ومن تكون، من قبل ومن بعد؟!.. ولكل من أولئك الذين يرفعونهم “شعوبا، وأوطانا، ورؤوسا، وانتماءات، وقوميات، وثقافات، و.. و… لكل منهم سَنَد أو مرجع أو حامٍ، أو مُحرِّك، أو ولي أمر، وألف مصلحة ودافع..؟! والكل، في هذه الحالة، ووفق هذا التوجه، وهذا المَعنى والمبنى لوطن ودولة.. لا يعنيه أن تكون سوريا “موحَّدة، قوية، وآمنة، ومستقرة..”.. بل ما يعنيه حقا، ألا تقوم لها قائمة، ليكون هو “الحي القيوم”؟!
وفي يقيني الذي لا تزعزعه الشكوك ولا الظنون، أن سوريا الجديدة، سوريا المستقبل، ستبقى “الجمهورية العربية السورية”، ذات الوجه العربي، والانتماء العربي، واللسان العربي، والهُوية التاريخية العربية، والثقافة العربية، وقلب العروبة النابض.. سوريا: “العربية ـ الإسلامية”.
وأن في يقيني الذي لا يتزعزع: أنه لا حيّ، ولا قيّوم، يخلُد ويدوم.. إلا الله، سبحانه وتعالى.

إلى الأعلى