الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الشخصية والمكان بين التنافر والانتماء في الرواية العمانية والرواية التونسية

الشخصية والمكان بين التنافر والانتماء في الرواية العمانية والرواية التونسية

الرواية، هذا الفن الأدبي القادر علي الهضم والتمثُّل والإفادة من فنون أخرى. وقد وصفه نجيب محفوظ ” بالفنّ الذي يوفّق ما بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنينه الدائم إلي الخيال… وما بين غنى الحقيقة وجموح الخيال (فريحات، 2000، 9)
والرواية في تعريف مبسط تجربة أدبية، يعبر عنها بأسلوب النثر سرداً وحواراً من خلال تصوير حياة مجموعة أفراد (أو شخصيات)، يتحركون في إطار نسق اجتماعي محدد الزمان والمكان، ولها امتداد كمي ومعين، يحدد كونها رواية ( وادي، 1996، 56) ويرى المبخوت في الإبداع الروائي “جسر تواصل وإيصال يعبر عن هموم الإنسان العربي وأحلامه وآماله وانكساراته وخيباته، رغم سعي الأنظمة الدكتاتورية لصناعة ثقافة لا تقوم في جوهرها على الحرية بل ويمثل قطاع كبير منها تبريرا سافرا لهذه الأنظمة”.

المكان وأهميته
يمثل المكان في الرواية، عنصرا مهما من عناصر السرد الروائي، ليس لأنه الفضاء الأفقي للنص فقط، حيث تدور الأحداث، ويتحرك الأبطال في دوائر متقاطعة، وتتضح معالم شخصياتهم وتنمو وتتحول، بل لأن المكان في كل أبعاده الواقعية والمتخيلة يرتبط ارتباطا وثيقا بالجانب الزمني والتاريخي للنص وشخوصه، بحيث ينتج عن التفاعل (الزماني- المكاني) منظومة سردية تنتظم في الشكل الروائي الذي تم اختياره لتقديم الأحداث والأشخاص، وتفاعلاتهم النفسية والحركية مع المكان. وللمكان أهميته في الدراسات الأدبية متمثلة في زوايا متعددة الاتجاهات، جعلت غالب هلسا يقول: ” إن العمل الأدبي حين يفتقد المكانية فهو يفقد خصوصيته، وبالتالي أصالته”، كما نحا ياسين النصير هذا المنحى بقوله: ” إن المكان دون سواه يثير إحساسا ما، بالمواطنة، وإحساسا آخر بالزمن والمخيلة حتى لنحسبه الكيان الذي لا يحدث شيء بدونه ” ويعرف ياسين النصر المكان بانه ” الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه، ولذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءاً من أخلاقية وأفكار ووعي ساكنيه». اما المكان الأدبي كما يرى عبد الملك مرتاض « عالم بلا حدود، وبحر دون ساحل، وليل دون صباح، إنه امتداد مستمر مفتوح على جميع الاتجاهات، وفي كل الآفاق» وهذا ما جعل جيرار جينت(1) يقول “إن حركة الحدث الروائي في النص السردي لابد أن تنتظم ضمن منظور مكاني يحيط بالحدث، بمعنى أنه لا يمكن أن تدور أحداث رواية ما دون تصور مدلولات واضحة لأماكن الأحداث، وما تركه هذا المكان من أثر في بناء شخصيات الرواية، وفي اختيار نُظم علاقاتها وردود أفعال أبطالها.”
من هنا تسعى هذه الورقة للبحث في الشخصية والمكان في الرواية العمانية والرواية التونسية من خلال رواية عودة الثائر للكاتب العماني يعقوب الخنبشي الصادرة في عام 2016عن دار الانتشار العربي وتقع في (288) صفحة ورواية الطلياني الحائزة على جائزة البوكر العربية للرواية للعام 2015 للاديب التونسي شكري المبخوت وتفع الطبعة التاسعة الصادرة عام 2016 عن دار التنوير للطباعة والنشر في 344.

العلاقة بين الشخصية والمكان
العلاقة بين الذات والمكان اما ان تكون علاقه تشعر فيها الذات بالانتماء او علاقة تشعر فيها الذات بالنفور والرفض واعني هنا بعلاقة الانتماء تلك العلاقة التي تشعر خلالها الذات بالانتماء للمكان الذي تتحرك فيه وهي أماكن الإقامة الاختيارية والتي تختار الذات الاقامة بداخلها دون تدخل من احد ومن أهمها كما ظهر في الروايتين المدروستين البيت، الغرفة. اما علاقة النفور فاعني بها تلك التي تبدو فيها الذات نافرة من المكان ويتجلى في هذه العلاقة الانسلاخ عن المكان فكريا ونفسيا.
وقد قسمت الأماكن الواردة في الروايتين الى:
1- أماكن الإقامة الاختيارية: ويقصد بها الاماكن التي تختار الذات الاقامة بداخلها دون تدخل من احد ولعل اهمها كما ظهر في الروايتين المدروستين:
البيت: شكل البيت في كثير من الروايات مكانا للألفة والهدوء وهو اقرب الأماكن للذات تشعر فيه بالانتماء. وقد قامت نظرية المكان بأكملها عند باشلار على ما للبيت من قيم تحيل على الحميمية والحماية فهو يعتقد ان ” كل الأمكنة المسكونة حقا والمحلوم بها تحمل جوهر مفهوم البيت “.
ويبدو البيت في رواية عودة الثائر مشكلا فضاء عشق الذات لابنته وولديها يقول ” ودعته ودخلت بيتي، وقد شعرت ان هذا اليوم سيكون يوما تاريخيا في حياتي، هكذا حدثتني نفسي عندما عانقت ابنتي شريفة وولديها سلطان وثريه للمرة الاولى وانا احمل لهم بين ضلوعي جبالا من الحب تشبه تراكمات الجبال المحيطة بكل قرى عمان وضواحيها، وقد زرعته شوقا لهم منذ ان فارقت ابنتي وهي لا تزال طفلا صغيرة، تقطف زهور البراءة حين كان عمرها لا يتعدى الاربع سنوات
الغرفة:
اما في رواية الطلياني فقد استأثرت الغرفة المكان الرئيس باهتمام الذات لانها شكلت فضاء نظيفا ومرتبا لرجل مهم يقول الراوي ” عندما سافر صلاح الدين ظلت غرفته مغلقة ولكن امه تمكن يامينه واسمها الحقيقي غزاله الخادمة من المفتاح احيانا لتهوية الغرفة ونفض الغبار لتظل دائما نظيفة ومرتبة، فربما عاد صلاح الدين دون سابق اعلام ولا يجوز ان يجد غرفته في حالة غير لائقة بأحد الرجال المهمين في تونس كلها.
والحديث عن مشاعر الذات نحو المكان غير ثابت فرغم ان الذات أصيبت بخيبة العثور على سر مهم افترضه عبد الناصر فقد صمم ان يكون له عالمه الخاص وأصبحت الغرفة التي يتسال عن سبب غلقها سابقا هي المكان المحبب له يستمع الى الموسيقى ويستمتع بها بعد اتفاق ابرمه مع امه زينب لتمكينه من المفتاح لمدة ساعة او ساعتين وها هي الغرفة المكان تشكل مسرحا للعشق والغرام بدات فيها جنينه تدعوه الى ان يلعب لعبة الطبيب والمريض يتبادلان فيها الأدوار. بعدها تحولت الغرفه المكان نادي الفن والمطالعة الى حلقه يتحاور من خلالها الفلاسفة المبتدئيون، فاذا كانت الغرفة في البداية بالنسبة لعبد الناصر هي سر ومحل تسائل فكانت علاقه المكان بالشخصية علاقة استكشاف ومعرفة وبحث عن لغز الا انه حين حصل على المفتاح ادرك ان الغرفة عادية جدا وانها ما هي الا لاسطوانات وكتب ومجلات لكن الأيام تعلمه بأن هذه الغرفة سببا لاستماعه الموسيقى وخاصة موسيقى الجاز فوجد نفسه بمعرفه بكل انواع الموسيقى مما يجعل العلاقة بين الشخصية والمكان هنا علاقه تاثيرية فالمكان اثر في الشخصية وصقل مواهبها وجعلها تنفتح على عوالم الفن والموسيقى فهنا نقول بانتماء الشخصية للمكان رغم ان الشخصية في بداية الامر رات انها بصدد اقتحام هذا المكان واغتصاب اسراره لكن المقولة انعكست فالمكان هو الذي اقدم على هذه الشخصية وكيفها كما يريد عبر اسطوانات الموسيقى فالمكان في رواية الطلياني بين مكر ومفر بين انتماء ورفض يعيش مع الشخصية كما يريد وتكيفه الشخصية كما تريد انها جدلية المكان شخصية النص الروائي.
2 – اماكن الاقامة الاجبارية: ويقصد بها الاماكن التي تجبر فيها الذات للاقامة بها وغالبا ما تشعر تجاهها بالرفض والنفور ولعل ابرزها:
السجن: لقد شكل السجن مادة خصبة لكتابة الرواية ويمكن اعتبارها من الأماكن المغلقة التي تساهم في هدم الذات وسحقها اذ هو غالبا ما يتصف بالضيق والمحدودية مما يحيل على محدودية حركة النزيل وتقليص قدراته على التنقل داخل فضاء محدود (عالية، 103)
وفي رواية عودة الثائر نجد السجون تشترك في طابعها السياسي اي هي سجون لمعتقلين لهم صلة بالشان السياسي فهي مخصصة للثائرين ضد المستعمر او متظاهرين ضد نظام الحكم المحلي وللسجن مسميات متعددة من قبيل المطمرة وهي السجن / المكان الأول الذي تعرف عليه الراوي ويصفها بقوله وتحاصره المطمرة التي تقبع وسط البرج لتشل الحياة حين ينزل فيها السجين كطائر جريح سقط من اعلى ليتدلى بواسطة حبل فتحه الدخول العلوية المحشوة بغبار السراب عرضها حوالي عشرة امتار طولها حوالي خمسة امتار تقريبا تطرح عطرها على اجساد الفقراء وتنهش فيهم، هي اشبه بالبئر الواسعة، وقد كان على نزلائها اختيار احد اركانها ليقضوا حوائجهم عليه، والركن الآخر يحاكون به النوم، وانتظار مقبرة الموت، يقال عنها الداخل مفقود والخارج مولود.
الزنزانة: تبدو الزنزانة من اكثر اماكن السجن قدرة على تقييد حرية الذات وشعورها بالضيق المكاني يقول حسن بحراوي ” ويزداد الضيق على حركة الشخصيات عندما تكون نزيلة زنزانة انفرادية متناهية الضيق وسيئة التهوية مما يجعل قدرتها على الانتقال يختزن الى الصفر هذه المحابس الانفرادية تلعب دورا هاما في شعور الذات بمحدودية المكان ومن هنا كانت الزنازين مخصصة لمضاعفة العقوبات على السجناء ويرى حسن بحراوي ايضا ان هذه المحدودية وما يتبعها من شعور نفسي بالاختناق تقوم بدور درامي يحقق لدى الذات الكثير من العمق لتجربته الانفرادية في السجن ” وقد ظهرت الزنزانة في رواية عودة الثائر بشكل مميز وصفيا ونفسيا بحيث بدات العلاقة بين المكان /الزنزانة والذات على أوضح شكل من التنافر والرفض يقول الراوي ” تقاسمت مساحة الزنزانة رقم خمسة التى لا يزيد حجمها عن عشرين مترا ولا يكبر عرضها عن العشرة امتار مع سبعين من النزلاء، حيث كان وجع الجسد فيها لا يزيد عن مساحة متر، فيها النفس لزج وخانق يخترق الجدران بصعوبة بالغة ” من رائحة ملابسهم وطول لحاهم كان علي معرفة تقدير زمن مكوثهم ربما تجاوز البعض منهم ثلاث سنوات حين بلغت لحاهم سرتهم.
سلمني الحارس علبة صغيرة من مخلفات الصفيح المستخدمة لسمن (دادا) ومخلفات (سمن الكرسي) في العلبة الذهبية لا يزيد حجمها عن حجم الكفين اكاد الحياء والخجل يقتلني وانا اقاوم رغبة بطني في طرد مخلفاته حين امتنع الحارس عن إخراجي، فك عقدة الريح أحد الرفاق عندما جر قيده المسمى (يونس) ذا الأربعة كيلوجرامات بعرج شديد وشلح ملابسه وقضى حاجته داخل علبة الصفيح وركنها جنب الجدار، حفظت الدرس وتعلمت منه ورفعت وجهي في قلب العاصفة وغافلت أعين الآخرين، كسرت وجه الخجل ورميت حاجتي الزائدة في علبتي ونقلتها خارج باب الزنزانة، تأقلمت بسرعة مع النظام الموجود داخل الزنزانة كعادة جميع المعتقلين “.
في رواية عودة الثائر يتجلى وصفه للغرفة الانفرادية التي اعتقلت فيها الذات يقول الراوي “غرفتي الانفرادية التي لا تتعدى المترين تقف باتجاه الريح المقابلة لمكتب الضابط الانجليزي اركض بأحلامي في جنون الليل في غرفة انفرادية وأنا الزم بها نفسي وأعاهدها الصمود مهما كلف الأمر، تلحفت قوة الصبر بطرق مختلفة وانا اتنقل بين جدران زنزانتي بحثا عن نسمة هواء طائشة تدخل وتخرج فجاة بدون مقدمات من تلك النافذة الصغيرة “.. مما سبق يمكن القول إن هناك علاقة خاصة بين الذات والسجن بدت محملة بكثير من التنافر والرفض والعداء للمكان مع اختلاف درجات هذا التنافر، وقد تآزر اسلوب الوصف الطبوغرافي مع استخدام البعد النفسي، في اظهار السجن بصورة المكان المرفوض.

المبيت الجامعي
وفي رواية الطلياني يظهر المبيت الجامعي كأحد اماكن الاقامة الاجبارية وبدت الذات نافرة منه وتهرب الى خارجه لأسباب تذكرها زينه قتقول ” حين تصلحون النوافذ المكسرة التي تدخل الينا منها الرياح والأمطار، وحين تنظفون المراحيض وتقضون على الروائح الكريهة التي تنتشر في الممرات والأدراج وقاعات النوم، وحين تعتنون بصحة التلاميذ يومها تصبحون فندقا مريحا لا يهرب منه التلاميذ.

المستشفى
يعتبر من اماكن الإقامة الاجبارية والمستشفى هو مكان له سيميائيته الخاصة المرتبطة نفسيا بالمرض والوحدة والألم. فهو مكان مرفوض بالنسبة للذات وظهر المستشفى في رواية عودة الثائر مكانا لخيانة ضمير الأمانة وشرف المهنة.

اذا تشترك اماكن الإقامة الاجبارية في كونها محاصرة للذات بكل ملامحها الطبوغرافية والنفسية، اذ تضافرت تلك الملامح في خلق فضاء مكاني تنفر منه وترفضه نفسيا. ولعل اللافت للنظر ان نوعية الأماكن الاجبارية التي ظهرت في الروايتين المدروستين تتصف بسمات مشتركة من حيث الضيق، العزلة، الخوف مما يكشف نفور الذات منها نفسيا
3 – الأماكن العامة
ا – صالة المطار:
تمثل صالة المطار لدى العائد أولى محطات الفرح والسرور في الوطن البيت الكبير الذي يعيش فيه الانسان وفيه يستريح الانسان من عناء السفر وتظل اليه الأشواق قائمة، وطامحة لكن الشيء الأقل توقعا في رواية عودة الثائر هو تلك الصدمة التي مرت بها الذات عند وصولها الى صالة مطار السيب مما جعلها نافرة من المكان.لم أعان مثلما عانيت من هذا الموقف وانا اشهد تسليم جسدي لكفيل لي كنت فيها اشبه بطرد بريدي ضخم قادم من الخارج يحتاج الى توقيعات كثيرة على اوراق متعاقبة لا لشيء سوى انني كنت اريد ان اكون انسانا يفكر ويحلم، ليعيش بحرية وكرامة، تكفل له القوانين الحقوق والواجبات مواطنة دائمة ومستقرة له ولأولاده من بعده.

ب – المقبرة
يمكن اعتبارها من أماكن الإقامة الإجبارية وهي مكان ذو بعد روحي حيث تقف فيه الذات امام حقيقه الموت وهي فضاء للمواعظ والاعتراف بالذنب لكن في روايه الطلياني تنقلب من فضاء السكينة الى فضاء الصراع فتتمرد الشخصية على المكان وتفقده هيبته ليصير فضاء لتصفية الحسابات واقتراف الذنوب هو حساب من نوع آخر، انه الانفلات من طبيعة المكان والتمرد على آلياته فيعكس هذا التنافر بين الشخصية والمكان تمردا في صلب السرد وآليات السرد.
بينما نجد ان المقبرة في رواية عوده الثائر تشكل علاقة انتماء مع الذات وعنصرا مطمئنا يقول الراوي ” جاهدت كثيرا لتحديد المكان وانا ابحث عن بقايا قبر احمد علي لأمد بصري في مختلف الاتجاهات بحثا عن عزاء يواسيني ويرشدني الى مكان مدفنه سألت الحجارة بمختلف احجامها وشواهدها سألت الشجيرات النابتة والحية والميتة بيد مرتجفة والعرق يتفصد من وجهي ولم استدل على شيء ليخيل الي ان صوتا من داخل الارض يناديني ويقول لي: انا هنا ارقد بسلام وطمانينة وان الزمان كفيل بايضاح السجلات التي اريد لها ان تختفي ”

ج – السوق: مكان يتاجر فيه الجميع بما يتوافر لديهم وفي رواية عودة الثائر نجد أن الراوي وهو يسرد علينا أحداث الأسواق (المحرق، الرستاق، عبري)، يدعونا دعوة حميمية إلى استرجاع الذاكرة، ذاكرة المكان خصوصا أولئك الذين عايشوا الظرفية التي تؤرخ لفترة الستينات من القرن الماضي، فنجد سوق الأربعاء في المحرق هذا السوق يجد فيه ذاته هناك انتماء وانسجام بين سوق الأربعاء بالمحرق والشخصية لانه جمعها بالحبيبة يقول: ” ” في سوق الاربعاء بالمحرق كابرت شظايا الحلم وانا انثرها في وجه المساء، وقد صادفت وجهها وهي تلملم هواها المصلوب في وجه الليل حين كانت تعبر الشارع الى الجهة المقابلة جرتني الذاكرة الي عبير عطرها الملتبس بمواويل المطر وترانيم الذكريات التي كنا نسقطها على احجار الوادي حيث لقائنا الأول “. كما ان سوق الرستاق يمثل مكانا تألفه الشخصية حيث تتوق اليه كلما شعرت بالملل ” خرجت بملل وقد قادتني قدماي الى السوق لانه المتنفس الوحيد الذي يمكنني فيه مشاهدة الوجوه المختلفة وحركة الناس وهي ترسم على وجوههم تعقيدات وتناقض الحياة ” فتاة صغيرة تكسرت وسط هذا السوق لا يزيد عمرها خمسة عشر ربيعا تفترش الارض وتلتحف بقطعة سوداء من القماش وتجاهد نفسها كي تغطي بها جسمها من كل مكان انهار صرح الكلمات ونامت الشهامة العربية في سبات عميق حين يعرضها رجلان للبيع احدهما يدلل عليها والآخر مصوب بندقيته عليها وجاهز لاستخدامها في اي لحظة ”
اذا يلاحظ ان الأماكن العامة ينطبق عليها ما ذكرناه سابقا عن الأماكن الاختيارية من حيث انتماء الشخصية ونفورها منها
د- المقهى الأسود: مكان أحبه البطل وعشقه ربما كما قال الكاتب ذكره بمقهى نجيب محفوظ ربما ايضا هذا المقهى يجد فيه ذاته هناك انتماء وانسجام بين المقهى والشخصية لعل الشخصية تجد نفسها اكثر في هذا المقهى الشعبي او ربما تجد هروبا من قوانين وكوابيس الواقع وترهات الحي وتغيرات القرية التي ينتمي اليها

الخاتمة
- انتماء الروايتين الي ما يعرف بتيار الرواية الحديثة
- تشترك الروايتان في الجانب التاريخي لكل من تونس وسلطنة عمان مما يجعل الفصل بين الرواية والتاريخ مسألة ليست هينة بل يتداخل هذا مع ذاك.
- تتفق الروايتان في التركيز على الشخصية المحورية القائدة لتطور الحدث القصصي عبد الناصر في الطلياني / خلفان في عودة الثائر.
- الأماكن في كلتا الروايتين تتراوح بين الانتماء والرفض فهي مساعدة حينا ومعرقلة حينا آخر
- السارد في الروايتين يؤسس لأمكنة واقعية يكشف عن علاقة الذات العربية بها (السجن، المقبرة، المستشفى، السوق، المقهى ) مما يجعل من هذه الروايات تقترب من تيار ما يعرف بالواقعية الروائية (حقيقة الأحداث في تونس والأحداث في سلطنة عمان)

المراجع:
- فريجات، عادل. 2000 م. مرايا الرواية (دراسة تطبيقية في الفن الروائي ). دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب.
- وادي، طه. 1996 م. الرواية السياسية. القاهرة: دار النشر للجامعات المصرية. جاستون – باشلار، 1980 جماليات المكان: ترجمة:غالب هلسا، كتاب الأقلام(1)، يصدر عن مجلة الأقلام، دار الجاحظ، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، دار الحرية للطباعة،١٩٨٠ م — ياسين النصير1986، اشكالية المكان في النص الأدبي، دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد.
-

د. سالم بن سعيد البحري

إلى الأعلى