الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / كرنفال البيوع في المجتمع العماني القديم

كرنفال البيوع في المجتمع العماني القديم

الأسواق الشعبية (1 -2)

مدخل
في المشهد البانورامي المحلي للجغرافيا التي تحتضن أشكال التبادل السلعي في البيئة العمانية القديمة العديد من طرائق التعبير عن الدهشة التي تتملك الإنسان وهي يعبر نحو مساحات ذات خصوصية ية وطقوس يصعب الحيد عنها، في مشهدية غاية في البساطة والتعقيد في الوقت ذاته.
الخارطة المكانية – لما يسهل التعامل معه لغويا على أنه أسواق شعبية- هي – في الواقع- أشبه بكرنفال تجتمع فيه أشكال البيوع التي يمارسها سكان المكان، ويتعامل معها الناس من مختلف الشرائح، وأحيانا تكون مأمومة بأناس من أمكنة متعددة، ولهذا كسبت بعض الأسواق صيتا وسمعة ذائعين، وانعكس ذلك على شهرة المكان، أو شهرة اليوم الذي تكون فيه، أو شهرة الشهر الذي تنتمي إليه، وهذا مرده إلى التوزيعة المجتمعية التي هندست أزمنة التبادل السلعي تحت يافطة الأسواق ضمن تجمعات بشرية مرتهنة إلى العدد الذي يكون فيها.

ذاكرة
لا يمكن تجاوز الذاكرة في ما يتعلق بالأسواق الشعبية، فالذاكرة تجعل لهذه الأسواق مسميات، وهي تجذر المسمى عاكسة الأهمية من عدمها، وفاردة جناح المناخ من بوابة المسمى، فهناك مثلا : اليِلب/الهبطة، العرصة، السوق، وربما حملت مسميات أخرى في أماكن أخرى من عُمان، وفي جانب الأيلاب / الهبطات هناك مسميات، بعضها ينتمي لاسم المكان : بديّة، نزوى، جعلان، الوادي، المضيرب، وهلم جرا؛ وهناك انتماء للأيام : الثلاثا، الخميس؛ وهناك نسب للتواريخ أو التآريخ : ساتّ، سابع، ثامن، تاسع، ست وعشرين، سبع وعشرين، ثمان وعشرين، تسع وعشرين؛ وهذا المرتبط بكل ذلك متصل بأيام عادية أو فترات مناسبات ضخمة، وهي متوزعة على الأماكن، وتكاد أن تكون محفوظة وشهيرة، بالاتكاء إلى ما تحصده من فعاليات جانبية غير البيوع، مثل استعراضات الإبل والخيل أو السباقات المرتبطة بها، وهو كله بمثابة مناخ ثقافي مجتمعي يعكس ميول الناس واهتماماتهم، ويفتح الأفق البصري على خيار المزاحمة سعيا وراء الرزق، أو كناية عن التباهي بامتلاك المتميز والمختلف.
بعض الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى خمسين سنة في ما مضى، تعكس تلك المشاهد، التي تستثير حماسة التدقيق في تفاصيل الأشياء، مثل شخصية المكان، طبيعة السوق الذي يتم فيه التبادل والعرض والطلب، الملابس الرجالية النسائية بمختلف الأعمار، عادات التعامل في مثل هذه الأماكن والمناسبات، زينة البشر والخيل والجمال، التقسيمة الهندسية للأسواق، وهكذا، إلا أن الصور الفوتوغرافية ستختلف قطعيا عن العين البشرية التي شاهدت وعايشت تلك المشاهد عيانا بيانا، مما جعلها جزءا من النسيج الشعوري والثقافي والوجداني للفرد، وهو ما يثري التجربة الوصفية والتحليلية على حد سواء.

مهن

الأسواق الشعبية، يغلب على مشتغلي مهنها الرجال، فهم من يقومون بالترتيبات كافة، بداية من التنظيم، وانتهاء بتسليم الحقوق إلى أصحاب السلع، ففي السوق هناك (الحلّاوْ)، وهو صانع الحلوى الذي يجعل (تِرْكِبٌتِه) قريبة من السوق؛ وهناك المنادي، وهم أنواع، لأنهم ينقسمون على حسب السلع المتوفرة، فهناك منادي على : الأغنام، القت (البرسيم)، السمن، اللحم بعد ذبحه وتوزيعه وبخاصة (الصلخ)، المنتجات الزراعية (الرطب) ، الفضيات؛ وهناك (الذبّاح) الذي ينحصر دوره في ذبح المواشي التي يريد مشتريها الخروج بسعر ما من وراء بيعها مقسمة بعد الذبح.
نعتقد أن المهن التي انتشرت في تلك الآونة محدودة، نسبة إلى التعدد السلعي المحدود، ولكن كانت الفوائد القليلة تجعل من تلك المهن بمثابة احتراف، فـ المنادي مثلا يجب أن يتميز بعدة خصائص، من بينها : جهورية الصوت، القدرة على الإقناع بالسعر، القدرة على حفظ المشترين وأسعار السلع التي باعها، باعتبار أن التحصيل يتم بعضه في التوقيت المباشر للشراء (التوجيب)، وبعضه بعد (طْياح) المناداة وانتهاء دورة البيع، والبعض الآخر يدون في دفتر خاص ما قام به من بيع، تمهيدا للتحصيل ودفع قيمة السلع إلى أصحابها، والخروج بربح يزيد عن سعر البيع المتفق عليه مع البائع.
هذه الثيمة الاتفاقية في الأسواق الشعبية مهمة جدا في تحصيل الاحتراف والاستمرار فيها، لأنها تصبح مصدر الرزق الأساسي لصاحبها، وهي تعتمد بشكل أساسي على حركة البيع والشراء وحجم الإقبال، وما يرافقه من غلاء أو توازن في الأسعار، لذلك يمكن اعتبار أن المهن في الأسواق القديمة تحتاج إلى حفر في ثيمة البيع والمنادي، لأن بعضهم يكون قد تشرب المهنة منذ نعومة الأظافر، وهذه في حد ذاتها مؤشرات إلى الاستفادة من المقومات الشخصية والفروقات المهنية التي يتم تأسيسها أو توريثها عبر التلقين.

اقتصاد
إذا جاز القول إن الاقتصاد هو ما ينتج عن حراك التبادل السلعي عبر مناخ البيوع في المكان الواحد، فإن الاقتصاد المكاني المحلي قد اعتمد في الزمن القديم على مناخ الأسعار في الأسواق الشعبية أو التقليدية، ومدى القدرة على تحقيق مستويات بيعية عالية، والفارق التي يمكن أن يحققه أصحاب المهن في تلك الأسواق، فـ (المناداة) من دون أرباح تصبح غير مجدية، لذلك يعمل (المنادون) على التحكم في مناخ الأسعار في الأسواق، إذ يمكنهم القبول أو الرفض لما يعرضه عليهم الباعة من أسعار لمنتجاتهم، وهم يدركون طبيعة القوة الشرائية، ويستطيعون تفنيد الغلاء من عدمه، من خلال وعيهم المبسط بطبيعة السوق.
يمكن فهم ذلك بالعودة إلى الدفاتر التوثيقية المحاسبية التي يحتفظ بها المنادون لتقييد الأسعار، فهي تحمل السمات الاقتصادية لطبيعة القوة الشرائية من ناحية، وحجم الإقبال على السلع من ناحية أخرى، بخاصة أن بعض (المنادين) يمتلكون موهبة عرض أكثر من سلعة في الوقت ذاته، من دون فقدان تركيز في هذا الجانب.
اقتصاد الأسواق التقليدية مهم لقياس مؤشرات الدخل من ناحية، وأسماء العملات المتداولة من ناحية ثانية، وهي توثيق لأسماء التجار الذين يعرضون سلعهم، وبالتالي يمكن أن تبرز قائمة بتجار المرحلة، وهم تجار تجزئة بطبيعة السلع التي يبيعونها.

طقس
نشعر أن الأسواق الشعبية تحمل طقوسها الخاصة في المجتمع العماني القديم، والتي استمرت – مع بعض التحوير- حتى وقتنا الحالي، وهذا ما يحصل في المناسبات الدينية الكبرى، مثل عيدي الفطر والأضحى، حيث تكريس النمط، ولكنه نمط معدل في الوقت ذاته، ومن هذه الناحية يمكن احتساب الثيمة الثقافية، التي نكتفي بالإشارة إلى استمراريتها وموروثية طقسها، مع عدم التوقف عند ما تحمله من إحالات يمكن للقراءة الثقافية أو تقف عنده وتستبطنه، وتستجلي المراحل الدفينة في الوقت البعيد، لتتبع ثباتها وتحولها، وقدرتها على الصمود أو الركون إلى الزحزحة التي طالتها.

مركزية
تثير الأسواق الشعبية فكرة مركزية التسوق، إذ الكل يذهب نحو مكان واحد، والكل يأخذون احتياجاتهم من تلك الأماكن، والكل يخضع لنظام سعري مفتوح، يعتمد على نظام (المزايدة)، وبهذه الطريقة يتم التعبير عن جودة المنتج من عدمه، والكل آمن بأن هذا المبدأ المركزي المكاني في التعامل مع السلع مقبول، مع أنه كانت هناك مناطق بيع بعيدة عن الجانب المركزي للأسواق من زاوية الكثرة البشرية، ولكنه كان مركزية مصغرة ، مثل أسواق بيع الأسماك تحديدا في القرى الصغيرة.
نعود إلى القول إن النقد الثقافي الذي من المفترض أن يغوص في عالم البيئة المحلية لم يقم بعمله بعد، على الرغم من توفر البيئات الذاكرية أو المحيلة إليها لاستقراء وفهم وتحليل السلوكيات المختلفة في البيئة العمانية.

عبدالله الشعيبي

إلى الأعلى