الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / التقاليد والمبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية (2-4)

التقاليد والمبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية (2-4)

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. عندما يقرن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مسألة التبادل الدبلوماسي مع الدول بعلاقة الند بالند, فهو لا يقصد حصر الموضوع في المسألة السياسية والدبلوماسية فقط, بقدر ما ينظر إلى تلك العلاقة أو ذلك السلوك بشكل استراتيجي ومبدأ من المبادئ التي يجب ان تسير عليها السياسة الخارجية العمانية سواء من الناحية السياسية أو الأمنية, وما إلى ذلك.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد تنطلق أو تنشأ المبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية من موارد أو مصادر فكرية اقتصادية أو ثقافية أو سياسية متعلقة بالمصالح العليا للدولة بوجه عام, وقد يجد المتتبع لها تشابها أو تقاربا كبيرا بين كونها مبادئ أمنية بحتة, أو أنها قريبة من كونها مبادئ سياسية على كونها مبادئ أمنية. وباعتقادي الشخصي ان ذلك لا يتعارض مع مفهوم المبادئ الأمنية لكون هذه الأخيرة تنشأ في العادة من موارد ومصادر مختلفة ومتعددة منها بكل تأكيد المبادئ والموجهات السياسية. بالتالي فإن تشابه وتقارب المبادئ الأمنية العمانية الناشئة عن المبادئ السياسية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية في الظاهر ليس إلا تقاربا أو تشابها بين وجوه أو ملامح أفراد الأسرة الواحدة. على ان ذلك لا يمنع استقلاليتها البنائية أو الهيكلية أو التكوينية باعتبارها مبادئ أو قيما أمنية مستقلة مستخرجة أو ناشئة عن موجه أو مبدأ سياسي. أو احد مصادر التشريع السياسي الموجه للسياسة الخارجية العمانية.
وتلك المبادئ الأمنية من وجهة نظري هي:-
1- مبدأ التعايش السلمي 2- مبدأ الندية 3- مبدأ تنفيذ الواجب 4- مبدأ الإقناع والحوار والتفاهم 5- مبدأ التوازن في العلاقات الدولية 6- مبدأ الحياد الإيجابي 7- رفض فكرة وجود مناطق أمنية 8- رفض ازدواجية السياسات وتجزئة المواقف. لذا سنقوم في هذه الدراسة بتناول 7 مبادئ منها فقط, كوننا قد تناولنا في مقالات ودراسات سابقة مبدأ الحياد الايجابي. مع ضرورة التأكيد على ان ما سيرد من مجموعة المبادئ الأمنية في هذا الطرح لا يعني حصريتها أو كونها حالة نهائية لا يمكن ان يضاف إليها لاحقا. بل يجب التأكيد على ان ما سيرد منها ليس إلا جهدا واجتهادا شخصيا يمكن الإضافة إليه من قبل الباحثين الذين سيقومون بدراستها والبحث عنها بشكل متعمق أكثر من مصادرها الرسمية ومواردها المختلفة.
المبدأ الأول: (التعايش السلمي): يعد مبدأ التعايش السلمي من المبادئ السياسية والأمنية التي ركز على انتهاجها والمحافظة عليها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله ورعاه – منذ بداية قيام وتأسيس الدولة العمانية الحديثة في العام 1970م . وينطلق هذا النهج من بعد امني أكثر منه بعدا سياسيا من وجهة نظري. على اعتبار ان عدم تدخل سلطنة عمان في شؤون الدول الأخرى سيجنبها افتراضا تدخل الدول الأخرى في سياساتها الداخلية, وهو ما سيحفظ لها سيادتها واستقلال توجهاتها وسياساتها وبالتالي أمنها الوطني. وسيحقق لها بدوره الغاية السامية من وراء كل ذلك وهي التعايش السلمي مع مختلف أطراف المنظومة الدولية, سواء البعيدة منها أو المجاورة.
وما يجب التأكيد عليه في هذا السياق هو ان هذا المبدأ ينطلق من موقف القوي القادر الحريص على السلم والسلام في مختلف أرجاء العالم, لا من موقف الضعيف المستسلم للأمر الواقع , وهو ما أكده جلالة السلطان – حفظه الله ورعاه – بقوله (ان رغبتنا في السلام لا تنبثق من شعور بالضعف, نحن اذا تعرضنا إلى أي عدوان فإننا سندافع عن بلدنا بكل قوانا )( ) . وفي سياق آخر قال جلالته (عملنا من اجل السلام يقتضي ان تكون بلادنا قوية .. وان تظهر قدرتها على حماية ذاتها, ولقد اثبت التاريخ مرارا وتكرارا ان هذا هو المنطق الوحيد الذي يحترمه من تقودهم أطماعهم إلى تهديد السلام العالمي بالخطر ).( )
وكما قال حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – من ان (السلطنة تنظر إلى الأمور بمنظار يتجانس مع سيادتها الوطنية وموقعها الاستراتيجي وتلتزم بمبادئ التعايش السلمي التي تشترط حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير والاحترام المتبادل لسيادة الدول )( ) . وقد أكد جلالة السلطان – حفظه الله ورعاه – في أكثر من محفل ومناسبة على هذا التقليد والمبدأ بشكل واضح وبطريقة مطلقة. فكان دائم الربط بين مبدأ التعايش السلمي وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. لأن كل منهما مكمل للآخر. فحسن النوايا من حسن التعايش وعدم التدخل في شؤون الدول سيؤدي بلا شك إلى احترام أطراف تلك المنظومة لبعضهم البعض.
المبدأ الثاني: (مبدأ الندية):- تعد علاقة الندية بين الدول من مظاهر السلطة وصور القوة والنفوذ التي تبرز شخصية الدولة ومدى حضورها واستقلالها وسيادتها في السياسية الدولية. ولعل هذا ما جعل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – ان يقرن مبدأ الندية في علاقاته مع بقية أطراف المنظومة الدولية, سواء كانت ندية سياسية أو أمنية أو عسكرية. ومن ابرز ما تطرق إليه جلالته في هذا السياق قوله: (سيكون لنا تبادل دبلوماسي قريبا, وعلاقتنا مع الدول علاقة الند بالند). ( ) . وفي نفس السياق قال جلالته – اعزه الله – (كما تستمر عمان في جهودها المتواصلة ونشاطاتها الباسلة في الأسرة الدولية وتسهم بنصيبها في حل المشاكل والقضايا العالمية إثباتا لوجودها كعضو في هيئة الأمم المتحدة وإعرابا عن رغبتها الأكيدة في استقرار الأمن والسلام بين دول العالم المختلفة وإقامة علاقات الود والصداقة مع كل دولة تمد يد الصداقة لنا على أساس الاحترام المتبادل وعلاقات الند للند)( ) .
ويختلف التعامل مع القضايا الأمنية والعسكرية (القوة الصلبة) بشكل كبير عن التعامل مع القضايا السياسية والدبلوماسية (القوة الناعمة). صحيح أنهما في أكثر الأحيان وجهان لعملة واحدة, ولكن يختلفان في تطبيق السلوك والإجراء المتبع في التعامل مع القضايا نفسها, وعندما يقرن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مسألة التبادل الدبلوماسي مع الدول بعلاقة الند بالند, فهو لا يقصد حصر الموضوع في المسألة السياسية والدبلوماسية فقط, بقدر ما ينظر إلى تلك العلاقة أو ذلك السلوك بشكل استراتيجي ومبدأ من المبادئ التي يجب ان تسير عليها السياسة الخارجية العمانية سواء من الناحية السياسية أو الأمنية , وما الى ذلك .
بمعنى آخر ان: التعامل السياسي والدبلوماسي مع الدول يجب ان يقترن بالقوة والقدرة والشخصية السياسية ذات السيادة والاستقلال, لا ان ينطلق من الضعف والحاجة والتبعية. لذا فإن إبداء السلوك السياسي والدبلوماسي المقرون بالقدرة على التعامل مع مطلق القضايا الأمنية الخارجية التي يمكن ان تؤثر في مستوى قدرة الدولة العمانية سياسيا هو وحده ما يمكن ان يحفظ لهذه الدولة عبر سياستها الخارجية مكانتها الدولية في النظام العالمي. فعلاقة الدولة العمانية مع بقية دول العالم ليست علاقة تبعية أو ذيلية أو عاطفية, بل هي علاقة ندية.
ملاحظة: هذه الدراسة المختصرة نقلا عن كتاب قادم سيصدر لنا بإذن الله بمعرض مسقط للكتاب 2018م تحت عنوان: التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي وانعكاساتها على المبادئ الأمنية الموجهة للسياسة الخارجية العمانية.

إلى الأعلى