الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 م - ٢٢ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : الذين تطاردهم الفرص

رحاب : الذين تطاردهم الفرص

أحمد المعشني

منذ عشر سنوات أو أكثر كنت عضوا في لجنة اجراء مقابلات توظيف في جامعة ظفار، وكانت الوظيفة المطلوبة” محرر اعلامي” لتغطية أخبار الجامعة، وكانت قائمة المتقدمين طويلة، وكان من بين المتقدمين خريج إعلام تخصص صحافة من جامعة معروفة. استبشرت اللجنة خيرا بأن ذلك المتقدم ربما يكون الأكفأ لشغل الوظيفة؛ فهي وظيفة اعلامية تتطلب ممن يقع عليه الاختيار أن يكون مرنا وعلى استعداد وكفاءة لارتداء أربع قبعات بلغة ديبونو( صاحب القبعات الست للتفكير الابداعي) قبعة أكاديمية وأخرى إعلامية والثالثة تسويقية ترويجية والرابعة توعوية. سألت اللجنة ذلك الخريج أسئلة مألوفة عن مؤهلاته وهواياته و مهاراته وعن طموحه، ثم اختبرت مهارات لغته الانجليزية. وكان دوري في طرح الأسئلة متأخرا، فسألت الشاب متى تخرج من الجامعة؟ فأخبرني أنه تخرج منذ عامين! فسألته وما هو تخصصك فأجاب : صحافة! فأردفت قائلا: وماذا تعمل منذ تخرجك من الجامعة؟ أجاب: لا شيء! وكان سؤالي له: ولماذا؟ فقال: أنتظر الوظيفة!. فسألته: وماذا تعلمت في الجامعة؟ فقال: أخبرتك أنني خريج اعلام تخصص صحافة!. توقعت أن يفكر ذلك الخريج وأقرانه بطريقة مختلفة، وأن يكون مبادرا وفضوليا وألا يلزم محبس البيت و طلب الوظيفة طيلة سنتين منذ تخرجه. كان الأجدر به أن يجعل الوظيفة تطلبه من خلال السعي والمبادرة والتجربة وخوض مجالات شتى في بلد يحفل بالفرص اللامحدودة. أما شاب آخر فهو لا يزال في الصف التاسع، وفوجئت به ضمن فريق عمل تطوعي ساهموا في تنظيم مؤتمر علم النفس في صلالة ضمن فعاليات مهرجان خريف صلالة لعام 2017، وكان قبل ذلك بعام مشاركا كمتدرب في مهرجان صلالة للطفولة، لاحظت كم كان ذلك الشاب مبادرا ومقتحما للفرص وجريئا ويمتلك فكرا طليقا لاينتظر الفرص أن تأتي اليه، لكنه يسعى ويخلقها ويطورها ويستبدلها. حركة دؤوبة وفكر منفتح وشغف غير محدود بالتجربة والاستكشاف. هذا النوع الذي يجب أن تحرص مؤسساتنا التعليمية أن تخرجه. منذ أسبوعين شاركت في مؤتمر للتربية وعلم النفس في جامعة المدينة العالمية في ماليزيا، وفوجئت أن أغلب المنظمين في لجان المؤتمر كانوا طلابا في الجامعة، يعملون طواعية فيكتسبون الخبرة والمهارات ويعمقون انتماءهم العلمي لجامعتهم. يجب أن تخرج مؤسسات التعليم أشخاصا يفكرون بطريقة أسرع من واقعهم، ويستبصرون بالمتغيرات ويواكبونها ثم يسبقونها ويساهمون في هندستها. يجب ألا يكون الخريج عبئا على مجتمعه، بل يعد نفسه ليكون عونا لوطنه وصانعا للتنمية.
لقد بدأت كثير من مؤسسات التعليم على تنوع واختلاف مراحلها تتحرر من المناهج التقليدية التي تقوم على الكم المعرفي والتنظيري وتتبنى طريقة المنهج المفتوح الذي يعطي دورا ايجابيا للمتعلم لكي يتساءل ويجرب ويفكر ويحلل ويستنتج ويطبق ويعدل في مرونة فكرية ويقظة ذهنية مدعومة بالرغبة والفضول والمتعة. وتستطيع مؤسسات التعليم أن توجه تفكير طلابها إلى التفكير القائم على الابداع وخلق الفرص والبحث عن البدائل والحلول بدلا من التعليم المقيد الذي يخرج موظفا عالة على التنمية. يقول الفيلسوف الشاعر إيليا أبو ماضي:
إذا أنا لم أجد حقلا مريعا خلقت الحقل في روحي وذهني
وكادت تملأ الأثمار كفي ويعبق بالشذى الفواح ردني

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى