الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “مدخل لقراءة أفلاطون” تفسير لعبقريته وإطلالة على شخصياته الدرامية

“مدخل لقراءة أفلاطون” تفسير لعبقريته وإطلالة على شخصياته الدرامية

عرض ـ حسام محمود
لابد لدراسة أفلاطون من قراءة محاوراته التي وضع فيها فلسفته وآراءه ونظرياته ومنهجه في البحث لكن المحاورة نمط خاص من الكتابة الأدبية , وقراءاتها ليست بالأمر اليسير , فهي لم تكتب لتقرأ كما تقرأ الكتب العادية . إنها تنتمى إلى نوع من الأدب الخاص جدا ككنوز تحتاج لتقدير الصائغ , ومنذ زمن بعيد ونحن لا نعرف كيف نكتبها او كيف نقرؤها . ومحاولات أفلاطون ومسرحياته رائعة ونماذجه البديعة للمحاورات الأدبية الحقيقية تمثل نمطا غير معتاد للعبقرية والتفرد , لما لهذا الفيلسوف الكبير والأديب العظيم من موهبة أدبية وثروة لغوية وجزالة فى الأسلوب وجمال فى الوصف وقدرة عبقرية خالقة .
محافل أدبية
ألكسندر كواريه في الجزء الأول من كتابه هذا يستعرض المدخل الأفلاطوني بشرح وتفسير لنا ماهية المحاورة عند هذا العبقري, وطريقة قراءاتها ودور القارئ فيها ومشاركته لشخصياتها . حيث إن قراءة أفلاطون لذة كبرى , بل هي متعة فائقة , فإن النصوص الرائعة التي يمتزج فيها الكمال الفريد للصورة بالعمق الفريد للفكرة , قد صمدت أمام عوادي الدهر فلم ينل منها الزمن , وبقيت حية على الدوام , حية كما كتبت منذ عهد بعيد , وتلك الأسئلة الملحة حول الفضيلة والشجاعة والتقوى ماذا تعنى تلك الألفاظ فى التعاملات التى عالجها سقراط وواجهت أفلاطون ؟ ولا تزال مجادلة الناس والعلماء حولها قائمة حتى الآن , كما كانت من قبل , وما زالت كذلك تبعث على الحيرة والضيق . ثم يعرض الأستاذ ألكسندر كواريه ثلاثا من محاضرات أفلاطون السقراطية هى مينون , وبروتاجوراس , وتيتاتوس , لكنه لا يقدم عرضا ولا شرحا لهذه المحاورات , وانما هو يعرفنا بشخصياتها الدرامية . ويتناول بالتحليل ما جاء بها من فلسفة أفلاطون , ومنهجه الجدلى فى البحث . وفى الجزء الثانى من الكتاب يتحدث كواريه عن السياسة , والفلسفة عند أفلاطون , وللسياسة كما نعلم شأن خاص عند اليونان , وبالأخص عند الأنثيين , وأولى بذلك ولا شك الشاب الأرستقراطي أفلاطون بن أريستون موعود بحكم مولده بخدمه المدينة وحمل أعبائها . ثم هو يعرض آراء أفلاطون في المدينة الكاملة , والمدن غير الكاملة , ونظم الحكم المختلفة , وما جاء عن ذلك في محاورة قيمت مؤلفات أفلاطون وأطولها أيضا , التى تشتمل على كل شيء أخلاق , وسياسة , وميتافيزيقيا , وتربية , وفلسفة تاريخ , واجتماع . ويتكلم الأستاذ كواريه عن كل ذلك , لا بطريقة الكاتب الأديب , وهو حقا كاتب وأديب , ولكن بطريقة المحاضر الحاذق القدير فالأسلوب رائع ومرح أنيق , وألفاظه جزلة مترادفة , وعباراته محكمة متكررة يلح بها على قراءه ليطمئن إلى حسن فهمهم ووعيهم . ولا شك أن فى قراءة هذا الكتاب فائدة محققة لطالب الفلسفة , ولكل محب للفلسفة , بل ولكل مثقف يهمه الاطلاع على قبس من الفكر اليوناني القديم , الذي ما زال ينير لنا الطريق نحو المستقبل مع استلهام الماضي , وتوضيح حقائق الحاضر أو كما يقول الأستاذ كواريه فى كتابه من أجل هذا كانت دروس أفلاطون ذات أهمية جليلة فى الأدب والثقافة والفلسفة , وكانت رسالة سقراط التى بلغتنا عبر الأجيال تحمل إلينا معنى يتفق والحاضر , إن رسالة أفلاطون مليئة بالتعاليم الجديرة بالتأمل ابان الأزمات التى تهز كيان العالم .
عبقرية لا تتكرر
إن الكمال الصوري لمؤلفات أفلاطون موضع اتفاق , فالعالم كله يعلم أن أفلاطون لم يكن فيلسوفا كبيرا فحسب , وإنما كان كذلك وقد يقول البعض أيضا كان على الأخص مؤرخا فى الكتابة ككاتب عظيم , فكل نقاده وكل مؤرخيه يجمعون الرأي على الإشادة بموهبته الأدبية الفذة التي لا تقارن , وبثروته اللغوية , وجزالة أسلوبه وجمال وصفه , وقدرة عبقريته الخلاّقة . ونحن جميعا نعرف أن محاورات أفلاطون هي مؤلفات مسرحية رائعة تتقابل فيها وتتصادم أمام العيون الآراء والناس الذين يعتنقون هذه الآراء . وكلنا حين نقرأ محاورات أفلاطون نشعر أننا نستطيع أن نمثلها , وان نقوم بأدائها على خشبة المسرح , ومع ذلك فقلما نستخلص منها النتائج التى تفرضها , والتي تبدو لنا ذات أهمية خاصة لتفهم فكر أفلاطون . لكن المسرحيات لا يمكن أن تؤدى فى عالم التجريد أمام مقاعد خاوية . انها تفترض بالضرورة وجود جمهور تخاطبه . وبمعنى آخر إن الدراما أو الكوميديا تتطلب وجود المشاهد أو المستمع والمتابع وليس هذا هو كل شىء , فلهذا المستمع دور في العرض الدرامي فى جملته , دور مهم جدا عليه أداؤه . فالدراما ليست مشهدا والجمهور الذى يعاون فى الدراما لا يتصرف كمجرد مشاهد , انما يجب أن يعمل عقله ليتعاون مع المؤلف لفهم الغرض واستخلاص نتائج العمل الذى يعرض أمامه. ويتعمق فى الأفكار , وينفذ لداخل العمل المسرحي , وهذا ما كان يرمى له أفلاطون. كما أن حراس المدينة الأفلاطونية يوكل لهم مهمة حماية المدينة فهم ملوك فلاسفة لهم قضايا أخلاقية من منظور سياسي , وهبوا حياتهم للدفاع عن المثل والقيم وخدمة المدينة الفاضلة , وهذا يفسر أسلوب الحياة التي عاشها أفلاطون , وهو يبحث عن الذات والمبادئ بالمدينة الكاملة والبلد الخلوقة والناس المثاليين كمنظومة متكلمة يسعى لها الجميع فى المجتمع كرسالة فاضلة يجب بذل الغالي والنفيس للوصول إليها .

إلى الأعلى