الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السلطان قابوس وجائزة نوبل

السلطان قابوس وجائزة نوبل

أ.د. محمد الدعمي

” السلطان قابوس صانعٌ حق للسلام يفعل كل ما بوسعه لتجنيب شعبه وشعوب دول الإقليم مآسي وأوجاع الحروب والارتطامات العسكرية، فان لم يكن ماتصبو إليه دولته الفتية من وئام وسلام، فعدم الانحياز أحوط وأجدى، بدليل أني لم أجد في سجل قيادته الراشدة والرشيدة ما ينطوي على مواقف سياسية تشم منها رائحة النفاق السياسي أو العمل المبطن من خلف الكواليس في دعم هذا الجانب أو النيل من ذاك.”
ـــــــــــــــــــــــــ
لم اضغط على زر تأييد ترشيح جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، المتاحة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، على نحو تلقائي كما يفعل الكثيرون بدافع عاطفي مجرد؛ بل فعلت ذلك بكل مسؤولية، وأقصد بها مسؤولية الكاتب الذي يسهم في تشكيل الرأي العام وفي توجيهه نحو نهايات بناءة. لذا فقد فعلت ذلك بعد أن راجعت، بدقة، سجل هذا القائد التاريخي، فلم أجد مثلبة أو نقطة ضعف، مقارنة بالمئات من قادة العالم الذين لابد أن تجد في سجلاتهم جانباً مظلماً أو سلبياً مخفياً أو دفينا. هذا رجل بيضاء صفحته: لم يقد الدولة التي تفتخر بأبوته لها (في طورها الحديث) إلى أية خصومة مع الدول الأخرى، عالمياً أو إقليمياً؛ فلا نزاعات حدودية ولا أحلاف ولا تكتلات عدائية، لا استفزازات ولا مطالبات أو شكاوى لهذه الهيئة العالمية أو تلك المنظمة الإقليمية. لم تطلق رصاصة واحدة عبر حدود السلطنة البرية أو البحرية طوال عهده الزاهر، في عالم تتلاطمه الحروب والأحقاد والاحتكاكات العسكرية. هو من جعل الحياة الاجتماعية والعملية في السلطنة تجري بوتيرة متواصلة نحو الأهداف المرجوة لها: لا مواسم “ربيع” مؤقتة أو مفاجئة، ولا زلازل ولا براكين، بل توثب نحو الأعالي.
السلطان قابوس صانعٌ حق للسلام يفعل كل ما بوسعه لتجنيب شعبه وشعوب دول الإقليم مآسي وأوجاع الحروب والارتطامات العسكرية، فان لم يكن ماتصبو إليه دولته الفتية من وئام وسلام، فعدم الانحياز أحوط وأجدى، بدليل أني لم أجد في سجل قيادته الراشدة والرشيدة ما ينطوي على مواقف سياسية تشم منها رائحة النفاق السياسي أو العمل المبطن من خلف الكواليس في دعم هذا الجانب أو النيل من ذاك. السلطنة بقيادته يعرفها الجميع ويشتركون في إحترامها؛ هي الأنموذج الأمثل لعدم الانحياز دولياً وإقليمياً. والأهم في هذا السياق هو عدم الانحياز الأمثل على المحور السياسي الداخلي. فلا تسمع عن تظلم جماعة أو شكوى فئة اجتماعية أو دينية أو طبقة اجتماعية، لأن البطل الفرد لا يمكن أن ينال صفته التاريخية بدون بطولة جماعية، هو الومضة التي تحرر طاقات الجماعة الكامنة. وقابوس برهن على أنه يدرك هذه الحقائق بدقة منقطعة النظير.
لذا لا أبالغ إن أسميته “أبو سلطنة عمان” التي تناهى صيت تطورها وتقدمها وثورتها على التخلف إلى ألسن ومسامع الغربيين في أقصى نقاط المعمورة عن الشرق الأوسط. سمعت أوربيين وأميركان وكنديين وآسيويين يرومون البقاء بضعة أعوام في السلطنة الزاهرة؛ ولم أسمع من يتأفف أو يتذمر من الاضطرار للذهاب إلى مسقط أو نزوى أو عبري. أما عندما وصفته، في إحدى مقالاتي عبر أعوام إسهامي في صحيفة (الوطن) الغراء (وهي تزيد اليوم عن اثني عشر عاماً) بـ”قاهر التخلف”، فلم أكن ابالغ قط ، تأسيساً على ما كان قبل انطلاق عهده الزاهر وما كنا نسمع أوائل سبعينيات القرن الزائل عن أحوال عمان وشعبها. هو قاهر للتخلف وثائر على الركود والرجعية، بدليل ما يتفتح من حاضرة عمانية لأخرى من جامعات ومدارس، مستشفيات ومراكز ثقافة وفنون.
لو كان أبو الطيب المتنبي حاضراً، لقال إنه قد قصد قابوس عندما أنشد:
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة / ووجهك وضاح وثغرك باسمُ

إلى الأعلى