الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مجزرة الروضة

مجزرة الروضة

أحمد مصطفى

”ضمن التحليلات أن كل أهل بلدة الروضة هم من قبيلة واحدة في سيناء معروف أنها تتعاون مع الجيش وقوات الأمن في مواجهة الإرهابيين. فهل كان ذلك سببا في غياب المعلومات؟ وإلى أي مدى يحقق الهدف الذي يتبناه المجرمون ـ ومن وراءهم بالتأكيد إذ إنهم في الأغلب أدوات في يد غيرهم ممن يسعى لتحقيق أهداف ضد مصر ـ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غالبا ما يكون صعبا التفكير بهدوء في حدث ساخن، خاصة لو كان بحجم المجزرة البشعة التي ارتكبها مجرمون بحق المصلين في مسجد بلدة الروضة شمال سيناء في مصر يوم الجمعة وأودت بحياة أكثر من 300 شخص. ليس لأن الحدث، غير المسبوق في بشاعته وحجمه، في مصر ولكن لأنها فاجعة انسانية لو حدثت في أي مكان في العالم يقطنه بشر. لكن، أظن أن أغلب الانفعالات وردود الفعل الغاضبة وبيانات التنديد والتعازي قد أخذت مجراها بالفعل وأصبحت هناك فرصة لبعض التفكير ـ رغم كم الحزن والغضب الطبيعي ـ ومحاولة استخلاص أي دروس ليس فقط لمنع تكرار ذلك وانما أيضا لاستشراف أبعاد تلك الكارثة التي توازي بالنسبة لي كارثة قتل أكثر من ألف مصري بالبحر الأحمر في حادث غرق العبارة السلام 98 في عملية قتل عمد مع سبق الإصرار بسبب الفساد والإهمال والتقاعس عن أداء الواجب.
كون المسجد في بلدة ما بين العريش وبئر العبد يجعله هدفا سهلا، لكن من الصعب تخيل أن يتمكن أكثر من دستة من الإرهابيين بسيارات الدفع الرباعي المحملة بالأسلحة من الوصول إليه دون أن يمروا بكمائن في منطقة هي تقريبا منطقة عمليات للقوات التي تحارب الإرهاب في سيناء. نعم، ذلك الجيش وتلك القوات الأمنية قد تكون غير متمرسة ـ مثلها مثل كل القوات النظامية في كل بلاد العالم ـ على حروب العصابات المجرمين. لكن هنا تأتي أهمية المعلومات التي تعتمد عليها الأجهزة الأمنية في كل الدنيا لمواجهة العمليات الإرهابية ـ وإن لم تتمكن من منعها في كثير من الأحيان. وتدرك الأجهزة المصرية، صاحبة الخبرة في التعامل مع الوضع في شبه جزيرة سيناء منذ عقود، أن المعلومات هناك تحتاج إلى سبل وطرق مختلفة عن التعامل مع المدن الكبرى الحضرية كالعاصمة وغيرها. وتلك أول نقطة، لا شك أن الأجهزة الأمنية والعسكرية المصرية أدركتها ونأمل أن يستفاد منها في المستقبل.
من ضمن التحليلات أن كل أهل بلدة الروضة هم من قبيلة واحدة في سيناء معروف أنها تتعاون مع الجيش وقوات الأمن في مواجهة الإرهابيين. فهل كان ذلك سببا في غياب المعلومات؟ وإلى أي مدى يحقق الهدف الذي يتبناه المجرمون ـ ومن وراءهم بالتأكيد إذ إنهم في الأغلب أدوات في يد غيرهم ممن يسعى لتحقيق أهداف ضد مصر ـ وهو “إرهاب” من يساند الجيش وقوى الأمن؟ نعلم أن تلك أسئلة ليست للطرح في النقاش العام في الإعلام، لكن يخشى المرء ألا يكون الدرس استوعب بالشكل الكافي وبحجم تلك الكارثة غير المسبوقة في تاريخ استهداف الإرهاب للمدنيين في مصر. ومن التحليلات أيضا أن رواد المسجد من أتباع احدى الطرق الصوفية، وأن ارهابيي القاعدة أو داعش أو ما شابه يستهدفون الصوفيين باعتبارهم “كفرة”. ومعروف أن أتباع الطرق الصوفية هم أكبر حزب ـ غير سياسي وغير رسمي ـ في مصر ويختلفون تماما عن السلفيين والأصوليين وأشباههم إذ إن موقفهم من الدولة والمجتمع في غاية السماحة. فإلى أي مدى أثرت مجزرة الروضة في هؤلاء؟
ورغم أهمية كل تلك الأسئلة، ولعلها خيوط لدى الأجهزة التي تحاول فك لغز الحادث المروع وتستخلص منه الدروس، إلا أن هناك أمورا أخرى كثيرة لا يجب اغفالها إذا كان لنا أن نضع استراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب في سيناء، بل والتصدي لكافة مشاكل شبه الجزيرة المتراكمة عبر عقود. لا يمكن استبعاد وجود مافيا تهريب للأشخاص والبضائع مع قطاع غزة المحاصر عبر الأنفاق التي يدمرها الجيش لمخاطرها الأمنية. وعصابات التهريب لا تتورع عن فعل أي شيء، ولو تحت ستار جماعات متشددة أو غيره. وهناك مظالم سكان سيناء عموما من تجاهل الحكومات المركزية في القاهرة لمشاكلهم وقضاياهم ـ شأنهم شأن أقاليم أخرى، لكن شعورهم بذلك أشد لأسباب كثيرة. كل ذلك وارد، ومنطقي وطبيعي أن يطفو على السطح مع هذه الكارثة المزلزلة. إلا أنه لا يتعين أن يغيب عن الجميع جذر المشكلة، وهو ليس فقط تنظيم متشدد مثل جماعة الإخوان وإنما ثقافة واسعة تغلغلت في المجتمع على مدى سنوات كانت الرافد الأساسي في يوم من الأيام قبل نحو ثلاثة عقود لتجنيد شباب متعلم للقتال في أفغانستان تحول بعد ذلك لجماعات من أخطر الإرهابيين في العالم.
الدرس الأهم والأخطر، والذي لم يعد مقبولا ألا نعيه أن هناك مشكلة لدينا، ومع الأخذ في الاعتبار أن هناك قوى لا تريد لنا الخير وتعمل ضدنا فإنها ما كان لها أن تجد الأداة من بيننا إلا إذا كان هناك هؤلاء المجرمون الإرهابيون. ولم يعد مقبولا بعد الآن أن نغض الطرف عن كثير مما قبلنا به من قبل من عدم التسامح والتشدد والتطرف من البيت إلى المدرسة والمسجد مرورا بكافة مناحي حياتنا، وأخطرها وأكثرها تأثيرا الإعلام. وليس القصد تلك القنوات المسماة “دينية” التي تبث الكراهية والفتنة عبر الفضاء، وإنما إعلامنا التقليدي الذي أصبح ـ عن قصد أو غير قصد ـ منصة لمتطرفين ومتشددين.

إلى الأعلى