الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاحتفال بالمولد الشريف بين المؤيدين والمعارضين والرأي المتوازن في المسألة (1 ـ 3)

الاحتفال بالمولد الشريف بين المؤيدين والمعارضين والرأي المتوازن في المسألة (1 ـ 3)

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
كلما هَلَّ شهرُ ربيع الأول، شهر ميلاد الرسول العظيم، نهضت قضيةٌ تكاد تعصف بوقت المسلمين، وتنال من وَحدتهم، ويتحوَّل الأمر من فرحة وجلال، إلى جدال، وسجال، حتى ينتهي الشهر، فلا هذا احتفل، وسعد، ولا هذا سكت، وحمد، وهما معًا ذوا رأي سديد، ويعتمد على ما لديه من دليل صح أو رأي معتبر، ولكنَّ المسألة لم تكن تحتمل كلَّ هذا السجال، وإضاعة الوقت، وتقطيع أواصر الأخوة، والنفرة والتدابر، في شهرٍ جاء من الأصل ليوحِّدَهم ويجمعهم على الأخوة، ويأخذ بهم إلى طريق الكمال، وسبيل التقارب، والألفة والاجتماع، فما أصل القضية؟، وما الرأي المتوازن الذي يمكن أن يجمع، ولا يفرق، ويوحِّد، ولا يشرذم، ويبشِّر، ولا ينفر؟، سنعرض هنا لكلِّ وجهة نظر كلٍّ على حدة من واقع كلماتِ أهلِه، ونُقُول علمائه، ونختار في نهاية الأمر رأيًا يمكن أن نجتمع عليه جميعاً، بحسب مقاصد الشرع، وغايات الدين، ومرامي الإسلام، وأهداف العقيدة الصحيحة.

أولاً: رأي المؤيدين، وأولهم الإمام السيوطي، حيث قال: عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف، وهذا ابن الجوزي حيث قال عن المولد النبوي: من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، ومعهم ابن حجر العسقلاني، حيث نقل عنه الحافظ السيوطي قوله: وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كانت بدعة حسنة، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون, ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة ..) إلى أن قال: وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي .. نبي الرحمة في ذلك اليوم، فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه: فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة، وقد ذهب إلى ذلك الرأي كذلك الإمام السخاوي، إمام القراءة، ومعاصر السيوطي، حيث قال عن المولد النبوي: لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة، وإنما حدث بعدُ، ثم ما زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم، ومال إلى رأيهم هذا ابنُ الحاج المالكي، حيث قال: فكان يجب أن نزداد يوم الاثنين الثاني عشر في ربيع الأول من العبادات والخير شكرا للمولى على ما أولانا من هذه النعم العظيمة وأعظمها ميلاد المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وزاد قال أيضاً: ومن تعظيمه (صلى الله عليه وسلم) الفرح بليلة ولادته وقراءة المولد، ورجح ذلك الرأي العلامةُ ابن عابدين، حيث قال: اعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف من الشهر الذي ولد فيه (صلى الله عليه وسلم)، وقال أيضاً: فالاجتماع لسماع قصة صاحب المعجزات عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات من اعظم القربات لما يشتمل عليه من المعجزات وكثرة الصلوات، وذكر مثله الحافظ عبد الرحيم العراقي، حيث قال: إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهورنوررسول الله في هذا الشهر الشريف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة قد تكون واجبة، ومشى على هذا الرأي أيضاً الحافظُ شمسُ الدين ابن الجزري، حيث نقلعنه الحافظ السيوطي قوله”:ثم رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال في كتابه المسمَّى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه: قد رُئِيَ أبو لهب بعد موته في النوم، فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمصُّ من بينِ أصبعي ماء بقدر هذا ـ وأشار لرأس أصبعه ـ وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتْني بولادة النبي، وبإرضاعها له، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمِّه جُوزِيَ في النار بفرحه ليلة مولد النبي (صلى الله عليه وسلم) به فما حال المسلم الموحد من أمة النبي يُسَرُّ بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرتُه في محبته؟!، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيمة.

واعتبره الإمام أبو شامة شيخ النووي من البدع الحسنة، أو من أحسن ما ابتدع في زمنه، حيث قال: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق لمولده (صلى الله عليه وسلم) من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مشعرٌ بمحبته (صلى الله عليه وسلم) وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين، وكذا مال هذا التوجه، الشهاب أحمد القسطلاني (شارح البخاري)، حيث قال: فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء، وصرح بالرأي نفسه الحافظُ شمسُ الدين بن ناصر الدين الدمشقيُّ، حيث قال في كتابه المسمَّى:(مورد الصادي في مولد الهادي): قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الإثنين لإعتاقه ثويبة سرورًا بميلاد النبي، ثم أنشد:

إذا كان هذا كافرًا جاء ذمُّه
وتبَّت يداه في الجحيم مخلدَا
أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا
يخفف عنه للسرور بأحمدَا
فما الظنُّ بالعبد الذي طُولُ عمره
بأحمدَ مسرورٌ ومات موحِّدَا
وممن ذهب إلى جوازه كذلك من المتأخرين العلامة محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة، ومن أبرز علماء المالكية فيها، أيّد الاعتناء بيوم المولد النبوي في قوله:(فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْمَوَاقِيتِ الْمَحْدُودَةِ اعْتِبَارًا يُشْبِهُ اعْتِبَارَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ الْمُتَجَدِّدِ، وَإِنَّمَا هَذَا اعْتِبَارٌ لِلتَّذْكِيرِ بِالْأَيَّامِ الْعَظِيمَةِ الْمِقْدَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (إِبْرَاهِيم ـ 5)، فَخَلَعَ اللَّهُ عَلَى الْمَوَاقِيتِ الَّتِي قَارَنَهَا شَيْءٌ عَظِيمٌ فِي الْفَضْلِ أَنْ جَعَلَ لِتِلْكَ الْمَوَاقِيتِ فَضْلًا مُسْتَمِرًا تَنْوِيهًا بِكَوْنِهَا تَذْكِرَةً لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لِأَجْلِهِ سُنَّةَ الْهَدْيِ فِي الْحَجِّ، لِأَنَّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَلَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَأَظْهَرَ عَزْمَ إِبْرَاهِيمَ وَطَاعَتَهُ رَبَّهُ وَمِنْهُ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ تَعْظِيمَ الْيَوْمِ الْمُوَافِقِ لِيَوْمِ وِلَادَةِ النَّبِيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَيَجِئ مِنْ هَذَا إِكْرَامُ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبْنَاءِ الصَّالِحِينَ وَتَعْظِيمِ وُلَاةِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَائِمِينَ مَقَامَ النَّبِيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي أَعْمَالِهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ)، وشيخ الأزهر فضيلة الإمام الأكبر حسنين محمد مخلوف، حيث قال: “إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي إنما يكون بذكر الله، وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود، ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبعد عن المحرمات والبدع والمنكرات.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى