الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / المتن والهامش لغسان عبدالخالق.. مقاربات في الفكر والسياسة

المتن والهامش لغسان عبدالخالق.. مقاربات في الفكر والسياسة

عمّان ـ العمانية:
يضمّ كتاب “المتن والهامش” للناقد والأكاديمي د.غسان عبد الخالق، نحو 140 مقالة فكرية سياسية، تتوزع على قسمين، يناقشان أحوال الفكر والسياسة في كل من العالم المتقدّم والوطن العربي.ويقارب عبدالخالق في القسم الأول من كتابه الذي صدر أخيرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بعمّان، “سرديات الحادي عشر من سبتمبر”، فضلًا عن مقاربة السياسي في فلسفة كل من هيجل وبرتراند رسل ودريدا وماركس وهنتننجتون وإدوارد سعيد وميشيل فوكوياما وكونفوشيوس. وفي القسم الثاني، يقارب المؤلف موضوعات راهنة على غرار: موقف الإنسان العربي من الفلسفة، ومفهوم الشخصية العربية، وسيكولوجية الخوف والعنف، والعقلانية العربية النقدية المعاصرة ممثلةً بمحمد عابد الجابري وفهمي جدعان، والبعد الإسلامي عند نجيب محفوظ، والعولمة والحداثة وما بعد الحداثة العربية، والإصلاح والإصلاحيون العرب، ومشروع الدولة العربية الحديثة بين النهضة والاستبداد، وثقافة التنوير، وخريف المرأة العربية، والربيع العربي المجهض.
ويعاين عبدالخالق نقاط التقاطع الملتهبة بين الفكري والسياسي، في الغرب والشرق على السواء. ففي إطار مقاربته لهيجل والفكر الهيجلي يوضح أن مواقف هيجل في شبابه اتسمت بالتطرّف ومعاداة نظام الدولة البروسية، والحماسة الشديدة للثورة الفرنسية، على أن كلًا من الفراغ والفوضى العارمين اللذين أعقبا سقوط إمبراطورية نابليون، دفعا بهيجل إلى اتخاذ مواقف جديدة ناسخة لمواقفه المتطرّفة السابقة، جعلت منه المنظّر الأول للدولة البروسية.
ويضيف أنه رغم محاولات التشويش الفلسفي على هيجل أثناء حياته وبعد وفاته، من جانب بعض التيارات الفكرية في إنجلترا وفرنسا، والتي عكست قلق الإنجليز والفرنسيين جرّاء تصاعد المشروع الفكري السياسي الألماني، إلا أن هيجل والهيجلية استمرا في ألمانيا عبر حركة “الهيجليين الشيوخ” بطابعها اللاهوتي المحافظ، ثم عبر حركة “الهيجليين الشباب” بطابعها الليبرالي اليساري، ثم عبر “الحركة الهيجلية الجديدة” التي ظهرت وترسّخت في إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وأمريكا؛ أي خصوم ألمانيا وهيجل التاريخيون.
وفي مقاربته للجانب السياسي في فكر بيير بورديو يقول عبدالخالق أن بورديو أضاف إلى أشكال الملْكية المعروفة، رأسَ المال الثقافي الذي يرتكز على نوعية التعليم ومدى القدرة الاقتصادية المالية للفرد أو الفئة الاجتماعية. وأنه أبرز إحدى حلقات التدوير الرئيسي لرأس المال عبر الاستثمار في ثقافة الأفراد والجماعات، والتي تعيد إنتاج رأس المال عبر مجموعة من الأفكار والقناعات الدافعة لعجلة التطوير الاقتصادي.
ويتوقف المؤلف عند طروحات جاك دريدا، مؤكدًا أن حجم مسؤولية هذا الفيلسوف الفرنسي العتيد عن انتقال تأثير مقولته (التفكيكية) من عالم الثقافة إلى عالم السياسة، لا يتجاوز حجم مسؤولية نوبل عن الاستخدام المدمِّر للديناميت؛ بدليل مناوأته للولايات المتحدة الأميركية التي عملت جامعاتها على ترويج أفكاره منذ عام 1966، وبدليل مقاومته للعولمة التي تقوم على تفكيك السيادات الوطنية للأطراف وتحويلها إلى مجتمعات ما بعد حداثية، وكذلك بدليل إدانته الصارخة لـ”إسرائيل” التي تمثل أكبر دليل على إمكانية تحوّل الهامش إلى متن.
مع ذلك، يوضح عبدالخالق، أن من الضروري إدراك أسباب المقاومة الثقافية للتفكيك ما بعد الحداثي في فرنسا (فولتير) وألمانيا (هيجل) اللتين أدركتا مبكّرا أنهما رغم موروثهما السياسي والفكري الكبير، يمكن أن تكونا مرشّحتين للذوبان في الموجة “الإنجلوساكسونية” التي تتمتّع بشهية عالية للاستعمار الثقافي والسياسي والاقتصادي.
ويقول عبدالخالق الذي أهدى كتابه لـ”غرامشي وتفاؤل الإرادة رغم تشاؤم العقل”، إن ثنائية “المتن والهامش” شغلته لأسباب فكرية وسياسية، إلى الحد الذي يمكنه الزعم معه بأن التاريخ البشري برمّته، “ليس إلا مجموعة من الصراعات والتجاذبات التي تهدف إلى التشبث ما أمكن بالمجال الحيوي للمتن، والابتعاد ما أمكن عن المجال الحيوي للهامش”. وهو لا يستثني من هذا الانطباع إلا المفارقة التي ينطوي عليها فكر ما بعد الحداثة، والمتمثلة في الاتجاه ما أمكن لإسباغ البطولة على التفاصيل والهوامش، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وفكريًا.
يُذكر أن عبدالخالق يعمل عميدًا لكلية الآداب والفنون في جامعة فيلادلفيا، ويرأس جمعية النقاد الأردنيين،. صدر له أكثر من عشرين كتابًا في حقول السرد والفكر والنقد، منها: “بعض ما أذكره”، “مفهوم الأدب في الخطاب الخلدوني”، “جهة خامسة.. دراسات تطبيقية في أدب نجيب محفوظ”، “الدولة والمذهب: دراسات في الفكر العربي والإسلامي قديمًا وحديثًا”، “بين الموروث والنهضة والحداثة: صور من جدل النقد في الأدب العربي”، “تأويل الكلام: دراسات تطبيقية في الشعر وأحوال الشعراء”، “الأعرابي التائه: مقاربات في تجربة مؤنس الرزاز الروائية”، “بساط الريح: دراسات تطبيقية في أدب الرحلات” و”الصوت والصدى: مراجعات تطبيقية في أدب الاستشـراق”.

إلى الأعلى