السبت 21 يوليو 2018 م - ٨ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: المجتمع التطوعي .. تعاون وازدهار
خطبة الجمعة: المجتمع التطوعي .. تعاون وازدهار

خطبة الجمعة: المجتمع التطوعي .. تعاون وازدهار

الحَمْدُ للهِ الَّذِي حَثَّ عَلَى التَّطَوُّعِ وَفِعْـلِ الخَيْرَاتِ، وَحَضَّ عَلَى التَّكَاتُفِ وَعَمَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَعَدَ المُتَطَوِّعِينَ خَيْرًا، وَأَثَابَهُمْ فَضْلاً وَأَجْرًا، وَأشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، كَانَ إِلَى الخَيْرَاتِ مِنَ المُبَادِرِينَ، وَأَسْرَعَهُمْ لِمَا فِيهِ مَرْضَاةُ رَبِّ العَالَمِينَ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّـهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة ـ 2)، وَاعلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مُسَارِعِينَ إِلَى الخَيْرَاتِ وَعَمَلِ المَبَرَّاتِ، لَمْ يَعِيشُوا لأَنْفُسِهِمْ فَحَسْبُ بَلِ امتَدَّ خَيْرُهُمْ إِلى مُجْـتَمَعِهِمْ رَغْـبَةً فِي القُرْبِ مِنَ اللهِ وَالوُصُولِ إِلَى تَعَاوُنِ المُجْـتَمَعِ وَتَكَاتُفِهِ، وَتَقْوِيَةِ رَوَابِطِهِ وَتَآلُفِهِ، فَمَا أَجْمَلَ الهَدَفَ! وَمَا أَطْيَبَ المَسْعَى! وَكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَهُوَ تَحْـقِيقٌ لِقَولِ الحَبِيبِ المُصْـطَفَى (صلى الله عليه وسلم):(خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ)، فَأَيُّ شَيْءٍ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ أَجْمَلُ فِي عَيْنِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى مُجْـتَمَعَهُ تَسُودُهُ رُوحُ التَّعَاوُنِ وَالنَّقَاءِ، وَأَوَاصِرُ المَحَبَّةِ وَالصَّفَاءِ؟ تَرَى أَفْرَادَهُ صِغَارًا وَكِبَارًا، مُبَادِرِينَ إِلى الخَيْرَاتِ لَيْلاً وَنَهَارًا، مُخْـلِصِينَ للهِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَاضِعِينَ نُصْبَ أَعْـيُنِهِمْ مَرْضَاةَ رَبِّهِمْ، حَتَّى يَصِلُوا بِفِعْـلِهِمُ الخَيْرَ إِلى دَرَجَةِ الفَوْزِ وَالفَلاحِ، قَالَ تَعَالَى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الحج ـ 77).
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِالأَعْمَالِ التَّطَوُّعِيَّةِ غَيْرُ مَحْصُورٍ فِي عَمَلٍ أَوْ عَمَلَيْنِ، أَوْ مَظْهَرٍ أَوْ مَظْهَرَيْنِ، بَلْ هُوَ مُتَنَوِّعُ المَشَارِبِ لِتَنَوُّعِ العُقُولِ وَالمَوَاهِبِ، وَهَذَا أَمْرٌ إِيجَابِيٌّ، فَكُلُّ مَنْ لَدَيْهِ عَمَلٌ يُرِيدُ بِهِ خِدْمَةَ مُجْـتَمَعِهِ وَرُقِيَّ أَفْرَادِهِ، فَإِنَّ البَابَ أَمَامَهُ مَفْـتُوحٌ، وَأَلْسُنَ الشُّكْرِ مِنَ النَّاسِ بِعَمَلِهِ تَلْهَجُ وَشَذاهُ يَفُوحُ، مَا دَامَ العَمَلُ لِلْمُجْـتَمَعِ نَافِعًا، وَلِمَبَادِئِ الخَيْرِ وَالإِنْتَاجِ دَاعِيًا، هَذَا وَإِنَّ لِلتَّطَوُّعِ صُوَرًا، مِنْهَا التَّطَوُّعُ بِالعَمَلِ البَدَنِيِّ، وَذَلِكَ نَحْوُ العِنَايَةِ بِتَنْظِيفِ المَسَاجِدِ وَمُلْحَقَاتِهَا؛ فَإِنَّهَا مِنْ صُوَرِ العَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْمُجْـتَمَعِ أَنْ يُولِيَهَا عِنَايَتَهُ، وَيَصْرِفَ إِلَيْهَا هِمَّـتَهُ؛ ذَلِكَ أَنَّهَا بُيُوتُ اللهِ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَوْلَى بِالعِنَايَةِ مِنْ خِدْمَةِ بُيُوتِ اللهِ وَصِيَانَتِهَا؟ أَفَلا يَرْغَبُ المُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ يَعْمُرُونَ مَسَاجِدَ اللهِ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللهُ فَقَالَ:(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّـهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) (التوبة ـ 17)، فَضْلاً عَمَّا يَكْسِبُهُ المُعْـتَنِي بِالمَسْجِدِ مِنَ الأَجْرِ العَظِيمِ لِتَحْـبِيبِ عِبَادِ اللهِ فِي الصَّلاةِ وَشُهُودِ الجَمَاعَةِ، فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ أَجْرٍ! وَمَا أَجَـلَّهُ مِنْ فَضْـلٍ! وَمِنْ صُوَرِ التَّطَوُّعِ ـ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ ـ إِقَامَةُ المُبَادَرَاتِ الشَّبَابِيَّةِ الَّتِي تُعْـنَى بِتَنْظِيفِ الأَفْلاجِ وَصِيَانَتِهَا فَبِهَا نَفْعُ البِلادِ وَالعِبَادِ؛ إِذْ بِهَا حَيَاةُ النَّاسِ وَالحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ، فَبِهَا تُرْوَى الدَّوَابُّ، وَيُسْـقَى الزَّرْعُ وَالنَّبَاتُ، وَغَيْرُهَا مِنْ فَوَائِدِ المَاءِ المَعْرُوفَةِ (قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (الانبياء ـ 56)، فَلْنَعْـتَنِ ـ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ ـ بِأَفْلاجِنَا فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ كَبِيرَةٌ، وَتُرَاثٌ لَنَا عَظِيمٌ، وَخِدْمَتُهَا عَمَلٌ صَالِحٌ جَلِيلٌ، وَهَلْ مِنْ عَاقِلٍ يَرْغَبُ عَنِ العَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي وَعَدَ اللهُ عَلَى فِعْـلِهِ الحَيَاةَ الطَّـيِّبَةَ، حِينَ قَالَ ـ جَلَّ وَعَلا:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل ـ 97)، أَفَلا نَرْغَبُ فِي حَيَاةٍ طَيِّـبَةٍ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ، الطَّامِعُونَ فِي عَفْوِهِ وَرِضَاهُ؟ أَفَلا يَطْمَحُ العَاقِلُ مِنَّا أَنْ يَرَى مُجْـتَمَعَهُ مُسَارِعًا إِلَى المُبَادَرَاتِ، وَنَشْرِ الخَيْرِ وَالتَّطَوُّعَاتِ، دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ إِلْزَامًا مِنْ أَحَدٍ، أَوْ أَمْرًا مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ يَكُونُ هُوَ المُبَادِرَ، طَامِعًا فِي جَزِيلِ الثَّوَابِ، وَالتَّمَتُّعِ بِجَمَالِ فِعْـلِ الصَّوَابِ. إِنَّ مِمَّا يَغْـفُلُ عَنْهُ بَعْضُ النَّاسِ ضَرُورَةَ أَنْ يَبْـقَى المُجْـتَمَعُ نَظِيفًا، فَتَجِدُهُ إِنْ ذَهَبَ إِلى حَدِيقَةٍ أَوْ جَلَسَ بِمَوْضِعِ استِرَاحَةٍ تَرَكَ وَرَاءَهُ مَا خَلَّفَهُ مِنْ أَكْـلٍ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَبْذُلْ جُهْـدَهُ فِي البَحْثِ عَنْ أَقْرَبِ مَكَانٍ لِلقُمَامَةِ، تُرَى أَيَنْـتَظِرُ أَصْحَابَ المُبَادَرَاتِ لِيُمِيطُوا مَا خَلَّفَهُ مِنْ أَذًى، لِمَاذا لا يَكُونُ هُوَ المُبَادِرَ؟ أَلَمْ يَعْـلَمْ أَنَّ رَمْيَ الأَذَى فِي الأَمَاكِنِ العَامَّةِ أَمْرٌ يُنَافِي أَيْسَرَ مَبَادِئِ الإِسْلامِ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ (صلى الله عليه وسلم):(الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ)، إِنَّ العِنَايَةَ بِنَظَافَةِ الطُّرُقِ وَأَيِّ مَكَانٍ يَرْتَادُهُ الإِنْسَانُ، وَاتِّخَاذَ ذَلِكَ سُلُوكًا، تُرَبِّي الأُسْرَةُ عَلَيْهِ الأَبْـنَاءَ، لَهُوَ عَمَلٌ خَيْرِيٌّ يُسْهِمُ فِي بِنَاءِ مُجْـتَمَعٍ خَيْرِيٍّ.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
قَدْ يَحْسَبُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ التَّطَوُّعَ مَحْـصُورٌ بِالمُسَاعَدَةِ البَدَنِيَّةِ كَالَّتِي ذَكَرْنَا، غَيْرَ أَنَّ المُتَأَمِّـلَ يَجِدُ هُنَالِكَ صُوَرًا أُخْرَى، فَمِنْهَا التَّطَوُّعُ بِالوَقْتِ وَالخِبْرَةِ، وَذَلِكَ بِعَمَلِ جَمْعِيَّاتٍ تَعَاوُنِيَّةٍ يَنْـتَفِعُ بِهَا النَّاسُ، فَفِيهَا تَزْوِيجُ شَبَابٍ، وَبِنَاءُ بَيْتٍ، وَإِنْشَاءُ مَشْرُوعٍ، وَفَكُّ كَرْبِ مَدِينٍ، قَالَ (صلى الله عليه وسلم):(مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ)، فَأَيُّ سَعَادَةٍ يَجِدُهَا هَذَا الَّذِي يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى غَيْرِهِ بِمَا ذَكَرْنَا؟ أَيُّ حَلاوَةٍ فِي قَلْبِهِ يَجِدُهَا؟ وَأَيُّ رَاحَةٍ يَعِيشُهَا وَيَشْعُرُ بِهَا؟ إِنَّ المُجَاهَدَةَ الحَقَّةَ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ تَكْمُنُ فِي العَطَاءِ، فَإِنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَنْ رَبَّى نَفْسَهُ وَجَاهَدَهَا، وَالخَيْرَ عَوَّدَهَا، بَلْ إِنَّ العَطَاءَ سِمَةُ الأَنْبِيَاءِ وَالنُّبَلاءِ، فَلْنَكُنْ مِثْلَهُمْ، وَنُشَارِكْهُمُ استِشْعَارَ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَى بَعْضِهِمْ. وَهَكَذَا تَتَنَوَّعُ الصُّوَرُ التَّطَوُّعِيَّةُ وَتَتَعَدَّدُ، فَيُقْدِمُ عَلَيْهَا المُسْـلِمُ وَلا يَتَرَدَّدُ، وَمِنْهَا التَّطَوُّعُ بِالعِلْمِ؛ فَإِنَّ زَكَاةَ العِلْمِ إِنْفَاقُهُ، فَمَنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ فِي أَيِّ مَجَالٍ مِنْ مَجَالاتِ الحَيَاةِ فَلْيُقْدِمْ دُونَ تَوَانٍ، قَبْـلَ فَوَاتِ الأَوَانِ، فَيَا أَيُّهَا المُتَمَكِّنُ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ: ابذُلْ عِلْمَكَ وَعَلِّمْ غَيْرَكَ، وَيَا أَيُّهَا المُتَخَصِّصُ فِي عِلْمِ الإِدَارَةِ: زَكِّ عِلْمَكَ وَأَنْـفِقْهُ تَنْفَعْ نَفْسَكَ وَمُجْـتَمَعَكَ، وَيَا أَيُّهَا الخَبِيرُ فِي أَيِّ فَنٍّ: اذكُرْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْـكَ، وَأَنَّهُ لَوْ شَاءَ حَرَمَكَ مَا وَهَبَكَ، وَسَلَبَكَ مَا أَعْـطَاكَ، فَلا تُجَازِهِ بِالإِحْسَانِ نُكْرَانًا، وَبِالنِّعْـمَةِ إِهْمَالاً وَنِسْيَانًا، أَمَا قَرَأْتَ آيَاتِ اللهِ فِي مُحْـكَمِ الذِّكْرِ، المُبَيِّـنَةِ أَنَّ بَقَاءَ النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم ـ 7).
مَعَاشِرَ المُسْـلِمِينَ:
إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ فِي الحَيَاةِ مَوَانِعَ وَعَوَائِقَ، مَتَى مَا عَرَفَهَا المَرْءُ وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا سَهُلَ عَلَيْهِ التَّغَلُّبُ عَلَيْهَا وَعِلاجُهَا، وَمِمَّا يُوَاجِهُهُ صَاحِبُ عَمَلِ الخَيْرِ اتَّهَامُ نِيَّـتِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ لِلجَاهِ وَالمَنْزِلَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَمَا عَلَيْهِ ـ وَهُوَ المُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ ـ سِوَى أَنْ يَتَجَاهَلَ دُخُولَ النَّاسِ فِي نِيَّـتِهِ، وَيُوَاصِلَ عَمَلَهُ مُحْـتَسِبًا الأَجْرَ؛ فَإِنَّ حَسْبَهُ اللهُ، هُوَ مُحَاسِبُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَمْـلِكُ لَهُ النَّاسُ نَفْعًا وَلا ضَرًّا، كَذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قَدْ تُوَاجِهُهُ أَنْ يَتَكَاسَلَ مَنْ مَعَهُ فِي عَمَلِهِ التَّطَوُّعِيِّ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَيْأَسَ أَوْ يَقْنَطَ، بَلْ يُشَجِّعُهُمْ بِالحُسْـنَى، وَيُذَكِّرُهُمْ بِالآيَاتِ الكَرِيمَةِ، وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ الحَاضَّةِ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَمُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ، فَإِنِ استَجَابُوا وَرَجَعُوا فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِلاَّ فَلْيَبْحَثْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَتَوَسَّمُ فِيهِمْ حُبَّ الخَيْرِ، وَلْيَمْضِ فِي طَرِيقِهِ قُدُمًا، لا يَبْـتَغِي مِنَ النَّاسِ جَزَاءً وَلا شُكُورًا، وَلْتَكُنْ عُدَّتُهُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُحْـكَمِ كِتَابِهِ:(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق ـ 3)، وَلْيَكُنْ عَتَادُهُ التَّقْوَى وَالصَّبْرَ فَـ (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّـهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف ـ 90).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُسلِمُونَ ـ وَكُونُوا لِعَمَلِ الخَيْرِ مُسَارِعِينَ، وَلِلسَّعْيِ فِي خِدْمَةِ مُجْـتَمَعِكُمْ مُتَفَانِينَ مُبَادِرِينَ؛ فَإِنَّ الجَزَاءَ مِنَ اللهِ لِلمُتَّـقِينَ الفَوْزُ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ الَّذِي شَرَعَ التَّآلُفَ، وَحَبَّبَ فِي التَّوَادِّ وَالتَّكَاتُفِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَكْـثَرُ النَّاسِ تَعَاوُنًا، وَأَحْـسَنُهُمْ خُلُقًا وَتَعَامُلاً، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ لأَعْمَالِ الخَيْرِ الخَاصَّةِ نَتَائِجَ وَثَمَرَاتٍ، وَفَوَائِدَ وَخَيْرَاتٍ، فَكَيْفَ إِنْ كَانَ العَمَلُ التَّطَوُّعِيُّ عَامًّا، يَشْمَلُ نَفْعُهُ القَرِيبَ وَالبَعِيدَ، وَيَعُمُّ خَيْرُهُ الغَنِيَّ وَالفَقِيرَ، وَيَصِلُ أَثَرُهُ إِلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ؟! لا شَكَّ أَنَّهُ سَيَكُونُ أَكْـثَرَ فَوَائِدَ، وَأَكْـبَرَ عَوَائِدَ، وَمِنْ هَذِهِ الثِّمَارِ الَّتِي يَجْـنِيهَا المُتَطَوِّعُ قَبْـلَ كُلِّ شَيْءٍ شُكْرُ اللهِ لَهُ، وَإِثَابَتُهُ عَلَيْهِ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّـهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة ـ 158)، وَمِنْهَا، فِيمَا يَخُصُّ المُتَطَوِّعَ، تَحْسِينُ قُدُرَاتِهِ، وَتَطْوِيرُ مَهَارَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ حِينَ يَلِجُ العَمَلَ التَّطَوُّعِيَّ سَيَلْحَظُ إِيجَابِيَّاتِهِ فَيُنَمِّـيهَا، وَأَخَطَاءَهُ فَيُصْـلِحُهَا، وَمِنْهَا تَهْـذِيبُ شَخْصِيَّـتِهِ، وَتَنْمِيَةُ عَقْـلِيَّتِهِ؛ فَإِنَّ مُخالَطَتَهُ لِلنَّاسِ تَجْـعَلُهُ يَلْحَظُ الخُلُقَ السَّيِّئَ فَيَجْـتَنِبُهُ، وَالخُلُقَ الحَسَنَ فَيَسْعَى إِلَيْهِ وَيُطَبِّـقُهُ. وَثَمَّةَ آثَارٌ لِلتَّطَوُّعِ عَلَى المُجْـتَمَعِ؛ فَمِنْهَا أَنْ يَعِيشَ المُجْـتَمَعُ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَاثِقًا أَنَّ أَبْـنَاءَ مُجْـتَمَعِهِ لُحْمَةٌ وَاحِدَةٌ، يُسَاعِدُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ، وَيُعَلِّمُ مُتَعَلِّمُهُمْ جَاهِلَهُمْ، وَيَحْـنُو قَوِيُّهُمْ عَلَى ضَعِيفِهِمْ، مُجْـتَمَعٌ قِوَامُهُ التَّعَاوُنُ، وَرُكْـنُهُ التَّوَادُّ وَالتَّكَاتُفُ، كُلُّ هَمِّهِ أَنْ يَرَى النَّاسَ شَخْصًا وَاحِدًا، وَقَلْبَهُمْ مُتَوَادًّا مُتَّحِدًا. وَهُنَاكَ صُوَرٌ أُخْرَى مِنْهَا حَلُّ مُشْكِلاتِ أَفْرَادِ المُجْـتَمَعِ وَأَزَمَاتِهِمْ، فَإِنَّ التَّطَوُّعَ مَثَلاً فِي تَعْـلِيمِ النَّاسِ يَحُلُّ مُشْكِلَةَ الجَهْـلِ، وَالتَّطَوُّعَ فِي سَدِّ عَوَزِ المُحْـتَاجِينَ يَحُلُّ مُشْكِلَةَ الفَقْرِ وَعُسْرَ سَدَادِ الدَّيْنِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ ـ وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، تَعَاوَنُوا وَتَكَاتَفُوا، وَتَوَادُّوا وَتَآلَفُوا، وَلْيُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَإِنَّهُ سَبِيلُ عِزِّكُمْ، وَطَرِيقُ مَجْدِكُمْ، وَبِنَاءِ وَطَنِكُمْ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ ـ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى