الأحد 21 يناير 2018 م - ٣ جمادي الأولي١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مسؤولية الإنسان في مرحلة الشباب

مسؤولية الإنسان في مرحلة الشباب

المفتي العام للسلطنة: أخبرنا الرسول أن الإنسان مسؤول عن عمره وعن مرحلة شبابه لأن مرحلة الشباب هي المرحلة الذهبية المسلمون عندما فتحوا مشارق الأرضِ ومغاربها إنما فتحوها بالسواعد المؤمنة والعزائم المتوقدة والهمم العالية

إعداد ـ علي بن صالح السليمي:
من الخطب القيّمة والمتنوعة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة والتي ألقاها طوال سنوات ماضية .. نطرح معك ـ عزيزي القارئ ـ اليوم هذه الخطبة بعنوان:(مسؤولية الإنسان في مرحلة الشباب)، حيث أن من أهم معالم الفكر لدى سماحته اعتماده على المنبر في الدعوة، الذي لم يكن معهوداً في عُمان في عصور سابقة ..
يستهل سماحته الخطبة بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله (صلى الله عليه وسلم) قائلاً: الناسُ في هذه الحياةِ بين رجُلين: رجلٍ هو أسيرُ أملِه، يصبحُ ويمسي في ملاهيه، غرَّه شبابُه وصحتُه ومالُه وجاهُه، يتمنّى على اللهِ الأمانيَّ، ويُعطي نفسَه هواها، ويستمرُّ على ذلك حتى يفجأه صارمُ الأجلِ، فيقطعَ حبلَ أملِه، ويفيقُ حين لا تجديه الإفاقةُ، ولا تنفعُه اليقظةُ، ورجلٍ علِمَ لماذا خُلِقَ ، فكان أسيرَ العملِ الصالحِ، يغدو ويروحُ في طاعةِ اللهِ سبحانه وتعالى باذلاً كلَّ وقتِه فيما يقرّبُه إليه ـ عزَّ وجلَّ ـ زُلفى، مغتنِماً فرصةَ شبابِه وصحتَه وغناه، ومسخِّراً جميعَ طاقاتِه في ذلك، ولا ريبَ أنّ زِنةَ هذه الحياةِ بقدْرِ استغلالِ الإنسانِ لها في العملِ الصالحِ، وبقدْرِ ما يتقرّبُ به إلى اللهِ عزَّ وجلَّ فيها، والإنسانُ مسؤولٌ عنها، ومرحلةُ الشبابِ فيها هي المرحلةُ الذهبيةُ، وقد أخبرَ الرسولُ ـ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ـ أنَّ الإنسانَ مسؤولٌ عن عُمُرِه، ومسؤولٌ عن الشبابِ في هذا العمرِ حيث قالَ ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه:(لا تزولُ قدمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ مِن عندِ ربِّه حتى يُسألَ عن أربعٍ: عن عُمُرِه فيمَ أفناه، وعن شبابِه فيمَ أبلاه، وعن مالِه من أين اكتسبَه وفيمَ أنفقَه، وماذا عمِلَ فيما علِمَ)، ولا ريبَ أنّ الصالحين هم في كلِّ وقتٍ يستغلّون هذه الفرصةَ الثمينةَ من الحياةِ بما يقرِّبُهم إلى اللهِ سبحانه وتعالى، فاللهُ تعالى قد أخبرَ عن أهلِ الكهفِ أنّهم فتيةٌ حيثُ قالَ فيهم:(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (الكهف ـ 13)، وأخبرَ عن إبراهيمَ عليه السلامُ أنه تنكّرَ لقومِه في مرحلةِ الفتوّةِ حيثُ قالَ حاكياً عنهم قولَهم:(سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) (الأنبياء ـ 60)، وهكذا شأنُ الصالحين من أنبياءِ اللهِ تعالى ورسلِه، ومن سائرِ المتقين من عبادِه في كلِّ عصرٍ من العصورِ.
وحول افضل الشباب يقول سماحة الشيخ: وقد كانَ جلُّ الذين استجابُوا للرسولِ ـ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ـ من الشبابِ، وقد ربّاهم الرسولُ (صلى الله عليه وسلم) على كتابِ اللهِ وعلى سنتِه ـ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ـ فكانوا أفضلَ شبابٍ عرفَهم التأريخُ، لقد كانوا أنفذَ الناسِ بصائرَ، وأطهرَهم سرائرَ، وأحسنَهم سلوكاً، وأقومَهم طريقاً، وأخوفَهم للهِ ـ عزَّ وجلَّ ـ وأصلحَهم عملاً، وأكثرَهم مسابقةً إلى الخيرِ، وأكثرَهم تضحيةً في سبيلِ اللهِ، وأكثرَهم حبّاً في الاستشهادِ في سبيلِه لأجلِ إعلاءِ كلمتِه والمحافظةِ على دينِه، وكانوا يقضُون ليلَهم ونهارَهم في طاعةِ اللهِ، فقد كانوا إذا سجى الليلُ البهيمُ وجلّلَ الفضاءُ بردائِه الأسودِ الرهيبِ ازدحمَ في قلوبِهم الخوفُ والرجاءُ، فأرسلُوا الدمعَ الهتونَ، ووقفُوا أمامَ اللهِ سبحانه وتعالى يتلون كتابَه، ويسبِّحونه ويعظِّمونه، فهم في وقوفِهم أشبهُ بالأركانِ القائمةِ، وهم في ركوعِهم وسجودِهم أشبهُ بالأحجارِ الكاتمةِ، وكانوا مع ذلك كلِّه يرون ذلك قليلاً في جنبِ حقِّ اللهِ سبحانه وتعالى وما أسبغَ عليهم من نعَمِه، وكانوا أزهدَ الناسِ في هذه الدنيا، فعندما دوّخُوا ممالكَ كسرى وقيصرَ، وأفاءَ اللهُ سبحانه وتعالى عليهم بالخيرِ العظيمِ نظروا إلى ما في خزائنِ كسرى وقيصرَ كما ينظرُ أحدُنا إلى الجيفةِ النتنةِ القذرةِ، أو كما ينظرُ أحدُنا إلى الثعبانِ السامِّ الفتّاكِ، هكذا كانوا يتوقَّون الدنيا ، وقد أثنى اللهُ سبحانه وتعالى عليهم في كتابِه ، وكفى بثنائِه عزَّ وجلَّ دليلاً على أنّهم كانوا في القمةِ الرفيعةِ من الخيرِ والأخلاقِ والفضائلِ، يقولُ تباركَ وتعالى فيهم:(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( (الفتح ـ 29)، ويقولُ تعالى فيهم:(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب ـ 23)، ويقول عزَّ وجلَّ فيهم:(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور ـ 37)، ولا ريبَ أنّ جميعَ الألسنةِ تنقطعُ ، وكلُّ الوصفِ يتبخّرُ أمامَ قولِ اللهِ سبحانه وتعالى، وأمامَ وصفِه عزَّ وجلَّ لهؤلاء العبادِ الصالحين الأخيارِ الذين نشرُوا مبادئَ الخيرِ في الدنيا بأسرِها، وأذاقُوا الإنسانيةَ طعمَ الإيمانِ والأمانِ ، وظلَّلوها بظلِّ الإسلامِ والسلامِ .وهكذا يجبُ على المسلمين في كلِّ عصرٍ أن يربّوا أولادَهم على هذا المسلكِ المستقيمِ، فإنّ المجدَ إنما يُبنى بالاستقامةِ والتقوى، والصلاحِ والعفافِ والطُّهرِ، والإيمانِ والقرآنِ، وليس يُبنى بالإلحادِ والفسادِ وسائرِ أنواعِ الشرورِ.
وأوضح سماحة الشيخ في خطبته بقوله: إنَّ المسلمين عندما فتحُوا مشارقَ الأرضِ ومغاربَها إنما فتحوها بالسواعدِ المؤمنةِ، والعزائمِ المتوقدةِ، والهممِ العاليةِ، برجالٍ صدقُوا ما عاهدوا اللهَ عليه، كان كلُّ همِّهم إقامَ الصلاةِ وإيتاءَ الزكاة، والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ، والمحافظةَ على حدودِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأن تكونَ في الأرضِ كلمةُ اللهِ هي العليا، وكلمةُ الذين كفروا السفلى، لم يكنْ همُّهم في هذه الحياةِ كأساً ولا غانيةً، وإنما كانَ همُّهم من هذه الحياةِ العملَ الصالحَ الذي يقرّبُهم إلى الله سبحانه وتعالى زُلفى، كانت أسماعُهم مسدودةً عن اللهوِ، وأبصارُهم مكفوفةً عن الحرامِ، وألسنُهم خرْساً عن الباطلِ، وجوارحُهم مقيدةً عن المنكراتِ، فلذلك صدقَهم اللهُ سبحانه وتعالى وعدَه، ومنَّ عليهم بما وعدَهم به من الاستخلافِ والتمكينِ في هذه الأرضِ، فإنه قد وعدَ بالاستخلافِ والتمكينِ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ حيثُ قالَ تباركَ وتعالى:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور ـ 55) لقد كانوا قلّةً وكانوا مستضعَفين، ولكنّ اللهَ سبحانه وتعالى قوّاهم بالإيمانِ، وعضدَهم بملائكتِه، فكانوا يسيحون في الأرضِ فاتحين دعاةً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ كأنما كلُّ فردٍ منهم رسولٌ إلى أمةٍ، فدخل الناسُ على أيديهم في دينِ اللهِ أفواجاً، ولا يُصلِحُ آخرَ هذه الأمةِ إلا ما أصلحَ أوّلَها.

إلى الأعلى