السبت 20 يناير 2018 م - ٢ جمادي الأولي١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (مرج البحرين يلتقيان)

(مرج البحرين يلتقيان)

إعداد /علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأكارم: إنّ من بين النماذج التي نذكرها من نماذج التقسيم العلمي, ما فسر به قول الله تعالى:(مرج البحرين يلتقيان*بينهما برزخ لا يبغيان).
قال أحد المفسرين:(مرج البحرين): أرسل البحر المالح والبحر العذب متجاورين متلاقيين, لا يفصل بين الماءين في مرأى العين, (بينهما برزخ): حاجز من قدرة الله تعالى، (لا يبغيان): لا يتجاوزان حديهما ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة والذي قاله لم يخرج عنه المفسرون القدامى.
ولكن غيره بهد أن ذكر أقوال المفسرين في الآية وشرح ما أثبته التحليل العلمي عن المحيطات والمضايق والبرازخ المائية قال.
وعلى ضوء التحليل العلمي الحديث الذي سبق تلخيصه نعود الى تدبر الاية الكريمة فيظهر لنا مفهومها منسجما مع الحقائق المتوصل اليها, في برزخي مضيق باب المندب ومضيق هرمز أكثر من البرازخ المائية الأخرى وذلك لأمرين، الأول: أن الآية التي عقبت الآية المذكورة مباشرة وهي:(يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان), تدلنا على تحديد الموضع, إذ يكثر اللؤلؤ والمرجان بدرجة هائلة في البحر الأحمر وخليج البصرة, وخليج عمان من المحيط الهندي حيث تعيش الحيوانات المرجانية واللؤلؤية في المياه الحارة, بينما ينعدمان تقريبا حوالي مضيق طارق ومضيق البسفور والدردنيل حيث المناطق المعتدلة التي لا تعيش فيها تلك الحيوانات.
والثاني: إن الآيات القرآنية التي جاءت بأحداث تاريخية أو ظواهر طبيعية هي التي وقعت في الجزيرة العربية أو حواليها غالبا وذلك للفت أنظار المخاطبين بالقرآن عند أول نزوله, وهم العرب المجاورون لسواحل البحر الأحمر وخليج البصرة من المحيط الهندي, وإثارة الرغبة الشديدة للتعمق في معاني الآيات التي تنطوي عليها الألفاظ والوصول الى حقيقة الغرض منها, فإذا تفكر المتأمل المتدبر في قول الله تعالى:(مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان)، يتجه تفكيره حتماً الى ازاحة النقاب عن المفهوم المتضارب من التقاء البحرين واختلاطهما ثم وجود برزخ بينهما فلا يتجاوز أحدهما الآخر.
وبعد أن يستنير بالمعلومات التي توصلت اليها الأبحاث العلمية على الحياة المائية المتولدة في البحرين الملتقيين بواسطة البرزخ المائي, مثل:(باب المندب) يتضح له أن تلك الحياة قد انفصلت في البحر الأحمر عن الهندي بوجود ذلك البرزخ الذي كان حاجزاً بسطحه الى عمق (200 متر) فتغيرت الحياة في كل منهما فلا يتماثلان ولا يبغي أحدهما بمواليده وأملاحه وتياراته وحرارته على الآخر بما يغايره في تلك النواحي فيتجلى مفهوم الآية بنور التدقيق والبحث العلمي الصحيح.
ولكن الاستاذ عبد المجيد الزنداني يذهب في تفسير الاية الكريمة تفسير آخر يقول:(في سنة 1873م أدركت (الأكاديمية العلمية البحرية) في بريطانيا أن معلوماتها عن البحار قليلة فبعثوا سفينة للكشوف العلمية البحرية مزودة بالأجهزة الدقيقة ومعها الخبراء وقضت هذه السفينة واسمها (تشالنجر) ثلاث سنوات في البحار والمحيطات, فجاءت بوفرة كبيرة من المعلومات وجدوا أن البحار المالحة (المحيطات), المحيط الواحد نفسه, تختلف فيه المياه عن بعضها في الحرارة والكثافة والملوحة والأحياء المائية وقابلية الذوبان للأكسجين إنها تلتقي في مكان واحد ولكنها تختلف في الخصائص والصفات.
فمثلاً البحر الأحمر يختلف في خصائصه عن المحيط الهندي وكانت هذه من أعجب الحقائق التي عرفت.
ثم تجدد البحث عام 1962م حيث جاءت بعثة أوروبية الى باب المندب لتدرس السر الذي يجعل البحار رغم التقائها متمايزة على الرغم من وجود ظاهرة المد والجزر وهذا من شأنه أن يمزج بين البحار ويجعلها متجانسة متحدة في الحرارة والكثافة والملوحة .. الخ, واستعملت هذه البعثة الأوروبية سفينة كالتي سبقت قالوا: هذا البحر أزرق, ومن الجهة الأخرى نفس البحر, فكانوا إذا أنزلوا اجهزتهم من الجهة الأخرى دلتهم على أن هذا هو المحيط الهندي تحركوا من الشاطئ الى الشاطئ وجدوا نفس النتيجة أنزلوا الأجهزة الى أعماق معينة فوجدوا نفس النتيجة تحركت السفينة وزحزحت من مكانها لتدرس هذا الحد ما طبيعته فوجدوه ماء ثالثا يختلف في حرارته وكثافته وملوحته عن كل من الماءين في البحرين.
قلبوا كتب علم البحار ستجدونهم يتحدثون عن هذا الماء الثالث باسم (فرنت) جبهة لقاء بين كتلتين مائيتين يمثلونه باللقاء بين جيشين بينهما منطقة فاصلة وحد فاصل وكم كانت دهشة الكابتن (جاكستو) وهو من أشهر علماء البحار الفرنسيين وهو يتكلم عن هذه الحقيقة التي أسفر عنها البحث فقال له أحد سامعيه: لستم أول من عرف هذا, لقد ذكر القرآن هذا قبل ألف وأربعمائة عام, فقال: إن كان هذا قد ذكر في القرآن فأشهد أن محمداً رسول الله.
ونكتفي بهذه النماذج فليس غرضنا أن نستقصي كل ما في كتاب الله تعالى, فلقد ألفت في ذلك كتب كثيرة وللعلماء مقالات وموضوعات في كثير من المجالات العلمية.
ونكرر هنا ما قلناه من قبل وهو وجوب التفرقة بين الحقائق العلمية والنظريات, ودعوى أنه ليس في العلم حقائق ثابته ما نخالها دعوى مبنية على أسس ثابتة صحيحة, والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر

إلى الأعلى