الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م - ٨ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاحتفال بالمولد الشريف بين المؤيدين والمعارضين والرأي المتوازن في المسألة (2 ـ 3)

الاحتفال بالمولد الشريف بين المؤيدين والمعارضين والرأي المتوازن في المسألة (2 ـ 3)

الاحتفال بالمولد النبوي بين الوجوب والاستحباب بين آراء العلماء من اجل إظهار المحبة لسيد البشرية

د/ جمال عبد العزيز أحمد:
.. ومن مظاهر الشكر على حبه مواساة المحتاجين بما يخفف ضائقتهم، وصلة الأرحام، والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يكن مأثوراً في عهده (صلى الله عليه وسلم)، ولا في عهد السلف الصالح إلا أنه لا بأس به وسنة حسنة، وتابعهم في ذلك محمد الفاضل بن عاشور ـ من علماء تونس البارزين ـ في قوله: إن ما يملأ قلوب المسلمين في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول كل عام من ناموسِ المحبة العُلوي، وما يهزّ نفوسهم من الفيض النوراني المتدفق جمالاً وجلالاً، ليأتي إليهم محمّلاً من ذكريات القرون الخالية بأريج طيب ينمّ عما كان لأسلافهم الكرام من العناية بذلك اليوم التاريخي الأعظم، وما ابتكروا لإظهار التعلّق به وإعلان تمجيده من مظاهر الاحتفالات، فتتطلع النفوسُ إلى استقصاء خبر تلك الأيام الزهراء والليالي الغراء إذ المسلمون ملوكاً وسوقةً (أي: عامتهم) يتسابقون إلى الوفاء بالمستطاع من حقوق ذلك اليوم السعيد، وأيدهم كذلك الشيخ الشاذلي النيفر، شيخ الجامع الأعظم في تونس، في قوله: وَأَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ حَجَر وَالسّيُوطِيِّ أَنَّ اللَّـهَ أَوْجَبَ عَلَيْنَا مَحَبَّةَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْنَا تَعْظِيمَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) ومِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمُ يَوْمِ مَوْلِدِهِ بِالاحْتِفَالِ بِهِ بِمَا يُجِيزُهُ الشَّرْعُ الكَرِيم، وأول ذلك وأقنع به إمام الدعاة في العصر، فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، حيث قال: وإكرامًا لهذا المولد الكريم فإنه يحق لنا أن نظهر معالم الفرح والابتهاج بهذه الذكرى الحبيبة لقلوبنا كل عام وذلك بالاحتفال بها من وقتها، وذكر مثله الشيخ المبشر الطرازي، شيخ علماء التركستان: حيث قال: إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف أصبح واجبًا أساسيًا لمواجهة ما استجد من الاحتفالات الضارة في هذه الأيام، والشيخ محمد علوي المالكي، حيث قال: إننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف والاجتماع لسماع سيرته والصلاة والسلام عليه وسماع المدائح التي تُقال في حقه، وإطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب الأمة.
وأكد هذا الرأي فضيلة العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حيث قال عن ذكرى المولد: إنما الذي ننكره في هذه الأشياء الاحتفالات التي تخالطها المنكرات، وتخالطها مخالفات شرعية وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان .. ولكن إذا انتهزنا هذه الفرصة للتذكير بسيرة رسول الله، وبشخصية هذا النبي العظيم، وبرسالته العامة الخالدة التي جعلها الله رحمة للعالمين، فأي بدعة في هذا وأية ضلالة؟، وقد لفَّ لفَّهما في هذاالرأي الشيخُ محمد سعيد رمضان البوطي، حيث قال: “الاحتفال بذكرى مولد رسول الله نشاط اجتماعي يبتغي منه خير دينيّ، فهو كالمؤتمرات والندوات الدينية التي تعقد في هذا العصر، ولم تكن معروفة من قبل. ومن ثم لا ينطبق تعريف البدعة على الاحتفال بالمولد، كما لاينطبق على الندوات والمؤتمرات الدينية، ولكن ينبغي أن تكون هذه الاحتفالات خالية من المنكرات وكذا عبدالله بن بيه، حيث قال: فحاصل الأمر أن من احتفل به فسرد سيرته والتذكير بمناقبه العطرة احتفالاً غير ملتبس بأي فعل مكروه من النّاحية الشرعية وليس ملتبساً بنيّة السنّة ولا بنيّة الوجوب فإذا فعله بهذه الشروط التي ذكرت ولم يلبسه بشيء مناف للشرع، حباً للنبي ففعله لا بأس به إن شاء اللهُ وهو مأجور، وفضيلة الشيخ نوح القضاة مفتي الأردن سابقًا، حيث قال: ولا شك أن مولد المصطفى من أعظم ما تفضل الله به علينا، ومن أوفر النعم التي تجلى بها على هذه الأمة؛ فحق لنا أن نفرح بمولده، ومفتي مصر السابق، حيث قال: الاحتفال بذكرى مولده من أفضل الأعمال وأعظم القربات لأنه تعبير عن الفرح والحب له، ومحبة النبي أصل من أصول الإيمان، وفضيلة الأستاذ الدكتور الفقيه الأصولي، وهبة الزحيلي، حيث قال: إذا كان المولد النبوي مقتصرًا على قراءة القرآن الكريم، والتذكير بأخلاق النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وترغيب الناس في الالتزام بتعاليم الإسلام وحضّهم على الفرائض وعلى الآداب الشرعية، ولايكون فيها مبالغة في المديح ولا إطراءٌ كما قال النبي:(لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله) وهذا إذا كان هذا الاتجاه في واقع الأمر لا يُعد من البدع، وكذا كل من: الأستاذ الدكتور حمد بن عبدالغفار الشريف، الأمين العام للأوقاف في الكويت، حيث قال: “الاحتفال بمولد سيد الخلق ـ عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم ـ أمر مستحب، وبدعة حسنة في رأي جماهير العلماء، والأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، حيث قال: الاحتفال بعيد المولد ليس عبادة ولكنه يندرج تحت الدعوة إلى الله، ولك أن تحتفل بذكرى المولد على مدى العام في ربيع الأول وفي أي شهر آخر، في المساجد وفي البيوت، والشيخ عمر بن حفيظ، حيث قال: مجالس الموالد كغيرها من جميع المجالس؛ إن كان ما يجري فيها من الأعمال صالح وخير، كقراءة القران، والذكر للرحمن، والصلاة على النبي، وإطعام الطعام للإكرام ومن أجل الله، وحمد الله، والثناء على رسوله، ودعاء الحق سبحانه، والتذكير والتعليم، وأمثال ذلك مما دعت إليه الشريعة ورغبت فيه فهي مطلوبة ومندوبة شرعاً، والمفتي العام للعراق سابقًا عبدالملك السعدي الذي صرح بقوله: لم يكن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف معروفاً في عصر الصحابة الكرام، ولكن لا يَلزم من عدم وجوده في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) أو في عصر الصحابة كونه بدعة سيئة أو منافياً للشريعة، فالاحتفال بالمولد إن أُقيم على أساس أنَّه عبادة مشروعة ـ كالصوم والصلاة والعبادات الأخرى: فهو بدعة. وكذا لا نسمِّيه عيدا، بل إحياء ذكرى لأنَّه لا يوجد سوى عيدين في الإسلام، وإن أقيم على أساس إحياء ذكرى مولد سيد المرسلين وإعادة ذكريات سيرته العطرة وخلا من المنكرات واختلاط الرجال بالنساء والمبالغة في مدحه (صلى الله عليه وسلم) فلا يعد بدعة.

* جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى