الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا نعد الثقافة امتيازا؟

لماذا نعد الثقافة امتيازا؟

أ.د. محمد الدعمي

يصعب تحديد معيار دقيق للـ”ثقافة”Culture لأنه من أصعب الأسئلة أو القضايا التي تتطلب الجهد، خاصة وأننا قد شهدنا وتابعنا آراءً كثيرة لدعاة وأدعياء الثقافة من النوع الذي قادنا أو كان سيقودنا إلى كوارث اجتماعية أو سياسية أو حتى نفسية، فهل يستحق هؤلاء أن نطلق عليهم هذا الوصف، الأمر الذي يقودنا للاستفهام الأساس: هل أن المثقف هو عنصر بناء أم تخريب في المجتمع؟!

بقي لقب “مثقف” يطلق جزافا بلا تمييز وبدون أساس ثابت للتيقن، خاصة عبر عقود القرن الماضي، امتدادا إلى هذا اليوم الملبد بالغيوم. بيد أن للمرء أن يلاحظ عددا لا بأس به من الأخطاء الشائعة التي تستحق الرصد والمناقشة، خاصة عندما يعجز الرأي العام من تقديم تعريف مطلق ومتفق عليه حيال من يستحق هذا اللقب أو هذا الوصف. حرك هذا الموضوع اهتمامي على نحو خاص عندما ناقشنا في الهيئة الاستشارية لوزارة الثقافة العراقية (2005) موضوع تخصيص “مكافآت مالية” شهرية للمثقفين كنوع من أنواع التقدير والتعويض عما فاتهم وعما قاسوه على العقود الماضية من حيف وعوز، كأداة للدعاية لعهد جديد يرنو لأن يقدم نفسه تقديما مختلفا عن العهود السابقة من خلال موقف جديد حيال المثقفين.
لقد نضجت أبعاد المعضلة، عبر سياق المناقشات آنفة الذكر، خاصة بعدما تقدم عشرات الآلاف من الأفراد بطلبات رسمية طالبين عدهم “مثقفين”، إذ لم تتحدد قائمة المثقفين بكبار المفكرين وأصحاب الأقلام السيالة والمؤرخين والكتّاب من الشعراء والناثرين الخياليين والواقعيين المهمين، ذلك أن العوز والتطلع للمزايا جعل الجميع يدعي بأنه ينتمي إلى هذه “الطبقة” المستنيرة السراتية، ومن بينهم الموظفين العاملين في الأعمال الروتينية المكتبية في الدوائر الثقافية، زد عليهم العازفين على الأدوات الموسيقية وأصحاب حوانيت بيع الكتب والجرائد والقرطاسية، ناهيك عن المذيعين والمطربين وأعضاء فرق الرقص الشعبي وأصحاب المهن الحرفية من فخارين، بل وحتى خياطين. لذا كان القرار الابتدائي بـ”تكريم” المثقفين قد اصطدم بما لم يكن صانع القرار يتوقعه من رقم “فلكي” كمخصصات مالية من الميزانية لهذا المشروع. وكان المعنى النهائي لهذه “اللخبطة”، بطريقة أو بأخرى، هو أن يستلم كل مواطن شيئا من كرم الدولة على حساب المثقفين: فإذا لم تكن أنت شاعرا، يمكن أن تقدم نفسك نجارا أو حدادا، كمثقف؛ وإذا لم تكن أنت روائيا أو كاتبا مفكرا، يمكنك التشبث بأذيال الثقافة عضوا في كورس غنائي إذاعي أو مسؤول إضاءة، بل حتى من يقوم بتقديم الشاي للعاملين في حقل الثقافة! وهكذا تحول المشروع إلى حال مهلهلة قادت إلى العجز الذي بقي كالشفرة الملتصقة في مريء صاحب الفكرة والمستفيد منها، برغم حسن نواياه.
في المجتمعات العربية ثمة ميل قوي إلى وصف كل من تخرج من الجامعة بأنه “مثقف”، بغض النظر عما إذا كان تخصصه هو في علم الحشرات أو علم الصخور أو التحليلات المرضية. وفي هذا تجاوز واضح لمفهوم الثقافي والمثقف بالرغم من هلاميته وسيولته. وقد ذهب آخرون إلى أنك إذا شئت استثناء أمثال هؤلاء من صنف المثقفين، فإنك لا يمكن أن تستثني أصحاب الشهادات العليا من هذا “الشرف” الرفيع. بيد أننا لا نحتاج إلى الكثير من الجهد لنرى عبر شاشات الفضائيات أعدادا لا بأس بها من حملة الشهادات العليا الممنوحة هذه الأيام وهم يدلون بأقوال وآراء لا تمت بأية صلة إلى معنى وجوهر الثقافة؛ بل إنك ربما يبتئس المرء على هذه “الشهادات” الأكاديمية المزيفة التي لم تؤهل أصحابها للحديث حتى بلغة سليمة تنطوي على اتساق وتناسق فكري منطقي، الأمر الذي يبرر ما يذهب إليه البعض الآخر من المتابعين إلى أن هناك أعدادا كبيرة من أنصاف المتعلمين، وحتى من الأميين، الذين يقدمون أنفسهم وأفكارهم بطرائق أكثر قبولا ومنطقية من آخرين دائما ما يلهجون بألفاظ الثقافة والمثقف، التثاقف والحوار الثقافي الرنانة. وهكذا يجد النشء والشبيبة أنفسهم أمام صورة مربكة أكثر غموضا لمعنى الثقافة في عصر الصدامات الثقافية والحوارات الثقافية: كلها “ثقافية” ولكنها تفتقد المعنى الرفيع لجوهر لفظ “مثقف”.
يصعب تحديد معيار دقيق للـ”ثقافة”Culture لأنه من أصعب الأسئلة أو القضايا التي تتطلب الجهد، خاصة وأننا قد شهدنا وتابعنا آراءً كثيرة لدعاة وأدعياء الثقافة من النوع الذي قادنا أو كان سيقودنا إلى كوارث اجتماعية أو سياسية أو حتى نفسية، فهل يستحق هؤلاء أن نطلق عليهم هذا الوصف، الأمر الذي يقودنا للاستفهام الأساس: هل أن المثقف هو عنصر بناء أم تخريب في المجتمع؟!
والأدهى من هذا وذاك يتجسد الآن في اعتقاد البعض أن الثقافة هي صفة عائلية “متوارثة”، ميزة يكتسبها الفرد لمجرد انتمائه إلى عائلة اشتهرت بالثقافة أو بالعلم، وبذلك نقع في خطأ فادح يصب في اعتبار صفة المثقف “مكافأة” وراثية نطلقها على من نشاء عبر الفضائيات والمقابلات الصحفية على نحو اعتباطي. وقد دهشت قبل أيام من ملاحظة هذا النوع من السلوك عبر شاشة إحدى الفضائيات، إذ تعمدت مقدمة إحدى البرامج إلى وصف سيدة “قارئة فنجان” بالمثقفة الثاقبة، ولست أدري ما مدى درجة تعمق قارئة الفنجان أو قارئة الكف هذه بتاريخ الثقافة والأفكار. قد يقودنا هذا إلى خطأ مفهومي آخر يقول بأن الثقافة إنما هي “معلومات” أو كم كبير من المعارف التي يختزنها الفرد في ذاكرته. هناك شيء من الصحة في هذا الرأي لأن المرء لا يمكن أن يطور جدلا ثقافيا بدون التمكن من كم كاف من المعارف والمعلومات التي تؤهله لأنشطة تبادل الرأي وللأنشطة الفكرية المجردة الأخرى، كالمقارنات والمقاربات. بيد أن هذا بمجمله لا يعني أن المعلومات والمعارف تكفي تأهيلا للمثقف، خاصة مع وجود ذلك الصنف من البشر المفتون بجمع المعلومات وبحفظها ومذاكرتها من الكتب كي يتأهل للمشاركة في “مسابقات” المعلومات من نوع “بنك المعلومات”: كثيرون هم هؤلاء الذين فازوا بمثل هذه المسابقات بسبب ما اختزنته ذاكرتهم من معلومات، بيد أنهم لم يشتهروا بإنجاز فكري أو بتأليف كتاب واحد أو بإسهامة ثقافية كبيرة واحدة. لذا لا يمكن أن يكون الكم المعلوماتي هو شرط المثقف، بالرغم من أن هذا واحد فقط من الشروط المسبقة لهذه الصفة. لذا يصف الغربيون هذا النوع من المدمنين على القراءة بأنهم حبيسو ما قرأوه من الكتب، صفة ذميمة، باعتبار قراءاتهم الواسعة والمكثفة بالرغم من عدم قدرتهم على الإسهام في إغناء الأنشطة الاجتماعية والعملية.
حاول المفكرون الكبار حظوظهم في تعريف المثقف وتوصيفه بالطريقة التي تقربه من المعنى الدقيق للثقافة. وأفضل من كتب في هذا الموضوع هو المفكر الإنجليزي “ماثيو آرنولد” الذي عد المثقفين “نخبة أقلية” في بريطانيا عصره (عصر الملكة فكتوريا)، ملاحظا أنهم “الزبدة” أو “النخبة” من الأقلية المتبقية من توالي العصور، أي هؤلاء الذين استجمعوا تراث الماضي وتفاعلوا مع معطيات الحاضر ليتمكنوا من “اللعب الحر” بالأفكار وبإنتاجها والترويج لها. عد آرنولد هؤلاء “أمل الحضارة” أو الإنسانية، فهم المنقذون الذين يسمون بأنفسهم فوق الولاءات الطبقية والفئوية وفوق الرغبات والنزوات الإنسانية البدائية المحدودة، على سبيل قيادة المجتمع نحو الخلاص.

إلى الأعلى