الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / استهلال اقتصادي لعام 2018

استهلال اقتصادي لعام 2018

”.. من الصعب جدا حقا أن تستطيع دولة الحفاظ على عوامل التوازن بآليات قائمة على معادلة ناجحة من التنمية إذا لم تكن هناك استعدادات بنيوية تمتلكها للمواجهة, والسؤال هنا: كيف تستطيع دولة, أي دولة من التكيف مع هذا النوع من المتغيرات وما يرافقها من إخفاقات إذا لم تكن لديها قدرة على إدارة الأزمة الاقتصادية الحاصلة بسبب ذلك؟”

عادل سعد

يظل التجاذب بين التوازن الاقتصادي والمتغيرات, وبالأخص المتغيرات المفاجئة التي تأخذ طابعا انقلابيا غير محسوب, أقول يظل هذا التجاذب بالنسخة المتسارعة واحدا من المخاطر التي تهدد اقتصاد أية دولة إذا لم ترصد لمواجهتها آليات تمكنها من احتواء تلك المتغيرات، مع ملاحظة أن المتغيرات المتوقعة تكون أقل كلفة على الاقتصاد من المتغيرات الطارئة ذات القدرة على الإرباك.
والحال أن من الصعب جدا حقا أن تستطيع دولة الحفاظ على عوامل التوازن بآليات قائمة على معادلة ناجحة من التنمية إذا لم تكن هناك استعدادات بنيوية تمتلكها للمواجهة, والسؤال هنا: كيف تستطيع دولة, أي دولة من التكيف مع هذا النوع من المتغيرات وما يرافقها من إخفاقات إذا لم تكن لديها قدرة على إدارة الأزمة الاقتصادية الحاصلة بسبب ذلك؟
لا شك أن واحدة من الضغوط الشديدة التي تمنع الإسهاب في الاعتقاد أن بإمكان تلك الدولة احتواء المشكلة وامتصاص الأزمة من دون أن يكون لديها آليات معدة لهذا الغرض، وهنا يأتي دور التوازن الاقتصادي بأكثر من قناة واحدة, منها ما يتعلق بمبدأ الترشيد, إذ كلما ارتكزت التنمية على الترشيد, بمعنى أن لديها منسوبا كبيرا من فائض القوة يمكن استخدامه لحالات من هذا النوع, وأهم مرتكزات فائض القوة هنا يكمن في امتلاك رصيد مالي وموجودات من العملة الصعبة (احتياطي نقدي) لاستخدامه وقت الحاجة، إلا أن عينات التوازن ضمن منهج الترشيد لا تقتصر على ما تمتلكه الدولة من هذا الاحتياطي النقدي وإنما أيضا يرتبط بسلوكيات المواطنين، لأن أشد المخاطر على الترشيد أن تكون لديهم نزعات استهلاكية اقتنائية, وإذا كان قد قيل لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار فإن الانطباق هنا لا تسرف في الأموال وإن كنت من أصحاب الثراء.. غير أن ذلك يرتبط بالمنهجية الاجتماعية التي ترى في الادخار المصرفي أحد مكونات التوازن، ولذلك فإن ما يعاب على الاقتصاد العراقي حتى الآن أن الكتلة النقدية الأكبر هي لدى الأهالي كمدخرات ولكن خارج البنوك, وتصل قيمتها إلى 75% من عموم السيولة النقدية حسب معلومات البنك المركزي العراقي, وهي بالضرورة خارج الضوابط القانونية مع ارتباطها بأمزجة وقرارات شخصية، الوضع الذي يجعلها رقما في تكريس مظاهر التضخم, ولك أن تتصور فائض قوة نقدية معطلة مقابل لو أن هذه الكتلة تخضع لحماية مصرفية, فعندها تكون فرص الاستثمار بمؤهلات جيدة للنمو أكثر, وعندها في كل الأحوال أنها تتحرك بائتمان مصرفي وتلك ضمانة أكيدة لها.
إن من أسبقيات تعزيز التوازن في مواجهة المتغيرات المفاجئة, إعطاء الأهمية للتنمية البشرية المستدامة ولكن ليس من خلال السياسات الإرضائية الفورية الاستهلاكية التي تستطيع أن تشبع، غير أن نتيجتها النهائية تصيب المستهلكين بالنهم وإدمان الاقتناء.
وبتشخيص آخر تكشف لنا القراءة المتأنية لواقع أغلب الاقتصادات العربية عن إصابتها بالافتقار إلى التوازن الذي يمكن أن يستعان به لمواجهة المتغيرات, وأنها لا بد أن تستمر بهذه الحالة إذا أخذنا بحقيقة أن أغلب الاقتصادات العربية تحركها أهداف سياسية، وبعض هذه الأهداف تحكمها النزعة الثأرية ومحاولة النيل والتنكيل والنزوع إلى التدمير الممنهج بحسابات عدوانية.
لقد حصل التنكيل بالاقتصادات العراقية والسورية واللبنانية والليبية, بل وضد الاقتصاد المصري في التعاطي معه بمساومات, في حين أن التوازن بالنسخة الوطنية لأية دولة لا يمكن أن يتحقق إلا بحماية الفضاء الإقليمي حتى ولو ضمن الحد الأدنى, وكأن أصحاب الاقتصادات المتأمرة يطبقون معادلة (عليَّ وعلى أعدائي), أنه النسخة الاقتصادية للهجمات الانتحارية، ولذلك لا يمكن أن نستبعد بقاء اقتصادات بعض الدول العربية بالحالة القائمة من الخلل إذا بقيت الحروب المشتعلة الآن على ما هي عليه خلال العام المقبل 2018 وعندها لا تفيد أية إجراءات تعويم, فالإفلاس آت، وبذلك يدفع العرب فاتورة إضافية من الخسائر, يقول شاعر الهند الكبير طاغور (إن نوايا العواصف سيئة) مع العلم أن أغلب الاقتصادات العربية هي الآن في عين العاصفة.

إلى الأعلى