الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “اللغة” و”المنطق”

“اللغة” و”المنطق”

جواد البشيتي

“اللغة”، نشأةً وتطوُّرًا، لا تَشُذُّ عن قانون “الحاجة هي أُمُّ الاختراع”؛ فـ”اللغة” اختراع اخترعه الإنسان (أيْ “الجماعة” من البشر) إذ اشتدت حاجته إليه؛ فهل “الوعي” هو الذي اخترع “اللغة”؟
القائلون بـ”حُكْم الوعي للعالَم (حُكْمًا أُوتوقراطيًّا مُطْلَقًا)”، يجيبون عن هذا السؤال، وعلى البديهة، قائلين إنَّ “الوعي” هو مُخْتَرِع “اللغة”.
لكن إجابتهم هذه تتمخَّض، ويجب أنْ تتمخَّض، عن سؤالٍ آخر، هو: “هل للوعي (الإنساني) من وجود قَبْل اختراع اللغة؟”
كلا، لا وجود له، ولا يُمْكنه أنْ يُوْجَد؛ فلا “وعي” بلا “لغة”.
إنَّني كثيرًا ما سَمِعْتُ كاتِبًا يقول (إذ استعصت عليه، واستغلقت، الكِتابة) إنَّ “الفكرة” موجودة في رأسي؛ لكنِّي لا أستطيع التعبير عنها.
كلا، لا وجود لهذه الفكرة في رأسه؛ فإنَّ “الفكرة” التي لا يُمْكِنكَ (أبدًا) التعبير عنها (ولو باللغة العامِّيَّة) هي فكرة لا وجود لها (أبدًا) في رأسكَ؛ فالإنسان إنَّما يُفكِّر بـ”الكلمات”، أيْ بواسطتها؛ و”الفكرة” لا تَحْضُر في الذِّهن إلا وهي مرتدية “كلمات”؛ فـ”اللغة” هي “وعاء الفكر”؛ فَمَنْ ضاق وعاؤه اللغوي، أيْ ضَعُفَت لغته، ضاق فكره، أيْ ضَعُف؛ فوسِّع وعاءكَ اللغوي (نَمِّ ثروتك اللفظية) يتَّسِع فكرك ويَثْرى؛ لكنَّ “الثروة اللفظية” لا نَفْع منها إذا لم يُحْسِن صاحبها “استثمارها”.
ولقد جاءت “اللغة (المنطوقة أوَّلًا)” من “اللغة الحيوانية البدائية (الأُم)”، والتي قوامها “الصَّوْت (بتنوُّعه واختلافه). و”الصَّوْت (على هيئة صيحة تحذير وإنذار)” اسْتُعْمِل لدرء المخاطر (التي كان مَصْدَرها الأهم وحوش مفترِسة) عن أمن الجماعة البشرية البدائية.
ومن “الصَّوْت الإنساني”، وبتنوُّعه، نشأت “الكلمات الأولى”؛ وكانت “أسماء الأشياء (التي تهمُّ الجماعة البشرية البدائية)” الجزء الأهم من تلك الكلمات (المنطوقة).
لقد اخترعوا (بتواضُعهم واتِّفاقهم) طائفة (شرعت تتَّسِع وتنمو) من “الأسماء الجامدة”، والتي هي أسماء سُمِّيت بها أشياء من قبيل “رَجُل”، و”امرأة”، و”طفل”، و”نار”، و”كلب”، و”نهر”، و”شجرة”، و”قمح”؛ فـ”الاجتماع البشري (البدائي)” وَلَّد ونمَّا “الحاجة إلى الاتِّصال اللغوي (الاتِّصال بكلمات وأسماء من طريق النُّطق، قبل اختراع الكتابة والأبجدية)”.
وعلى أساس “الكلمات (اللغة)” ينشأ وينمو وعي الإنسان منذ الطفولة؛ فبواسطة “الكلمات” نتبادل الأفكار؛ وأنتَ إذا كنتَ تُفكِّر في صمت فإنَّك تستعمل الكلمات؛ وعندما تتكلَّم مع نفسك، تُلْبِس أفكارك رداء الكلمات؛ وإنَّ من الأهمية بمكان أنْ نَنْظُر في “المعاجِم” لِنَقِف على التطوُّر التاريخي لمعنى الكلمة الواحدة.
لكنَّ “التسمية”، أو “صناعة الأسماء”، ليست بالأمر اليسير السَّهل؛ فإنَّ “المنطق” هو وحده الطريق إلى “التسمية”. إنَّ أفراد الجماعة البشرية البدائية لا يُمْكنهم التواضع والاتِّفاق على تسمية هذا الشيء “شجرة” إلا بعد بَذْلِهم “جهدًا ذهنيًّا” يسمَّى “التجريد”؛ فَهْم ينبغي لهم أوَّلًا أنْ يعرفوا أنواعًا عدة من الشجَّر (برتقال وتُفَّاح وزيتون..). ثمَّ ينبغي لهم أنْ يُدْرِكوا “المُشْتَرَك” من الصفات والسمات والخواص بين أنواع الشَّجر التي يَعْرِفون.
وهذا إنَّما يَدُلُّ على أنَّ “اللغة” و”المنطق” شيئان متلازمان، متَّحِدان اتِّحادًا لا انفصام فيه؛ فلا “لغة” بلا “منطق”، ولا “منطق” بلا “لغة”؛ لكن، ما هو “المنطق”؟
من طريق “التجربة” و”الخطأ”، تعلَّم البشر (أو اكتسبوا) مهارات مختلفة (متنوعة) تعيَّن عليهم نقلها من جيل إلى جيل (وهذا النقل مشروط بوجود لغة).
ومن التجربة العملية، ليس إلا، تَعلَّم الإنسان أمرًا في منتهى الأهمية، وهو أنَّه لا يمكنه فعل أي شيء يرغب في فعله، أيْ لكونه يرغب، فحسب، في فعله؛ فثمَّة قوانين موضوعية ينبغي للإنسان موافَقَة فكره معها إذا ما أراد لفعله النجاح.
وتوصُّلا إلى “الحقيقة” لا بدَّ من إنشاء وتطوير منهج؛ وهذا المنهج هو ما تواضع الفلاسفة على تسميته “المنطق”، متوفِّرين على إنشاء وتطوير قواعد ومبادئ له.

إلى الأعلى