الخميس 18 يناير 2018 م - ٣٠ ربيع الثانيI ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الهجرات العربية إلى شرق إفريقيا ودورها في نشر الإسلام

الهجرات العربية إلى شرق إفريقيا ودورها في نشر الإسلام

يرجع اتصال العرب الأوائل بساحل شرق أفريقيا إلى عدة قرون قبل الميلاد وكانت هجرتهم بغرض التجارة وليس الاستيطان واختلطوا بالأفارقة عن طريق الزواج. وكان العرب أقدم الأمم اتصالاً بالجماعات البشرية المقيمة على سواحلها قبل غيرهم من الأمم الأخرى وإن كان هذا الاتصال مقصوراً على التبادل التجاري وتصريف منتجات سكان أفريقيا الشرقية في شتى الأسواق وربط المنطقة بأهم مصادر الإنتاج العالمي في الشرق الأقصى و في بلاد البحر الأبيض المتوسط أي أن النشاط التجاري كان أساس العلاقات التي كانت بين العرب وشرق إفريقيا.
وهناك عوامل هامة جعلت الصلات قوية بين العرب(بالأخص عرب عُمان) وشرق أفريقيا، وهى عوامل طبيعية وبشرية واقتصادية .أما العوامل الطبيعية فتتمثل فى البيئة الصحراوية في شبه الجزيرة العربية مما جعلها عامل طرد نحو البحر سواء في اليمن أوفى عُمان. فكان التوجه البحري العماني بسبب طول السواحل العُمانية واحتوائها على عدد كبير من المواني الصالحة للملاحة خاصة صحار ومسقط ،وأعطت تلك المواني لأهلها دور الوساطة في المناطق التي تقع على جانبيها بين سواحل شرق أفريقيا وسواحل المحيط الهندي والخليج العربي. وكذلك قرب المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة العربية من شرق أفريقيا ويذكر علماء الجيولوجيا أن أفريقيا والجزيرة العربية كانتا أرضاً واحدة متصلة وانفصلت بسب الانكسارات الأرضية والهزات الأرضية.
وهناك عامل طبيعي آخر وهو هبوب الرياح الموسمية الشمالية الشرقية(شتوية) التي تهب فى الفترة من شهر يناير حتى آخر مارس من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي حيث تدفع هذه الرياح معها المراكب الشراعية من شواطئ شبه الجزيرة العربية والخليج العربي إلى سواحل أفريقيا الشرقية وفى العودة تستفيد هذه السفن من هبوب الرياح الموسمية الجنوبية الغربية(صيفية) التي تهب فى الفترة من شهر إبريل وحتى أواخر شهر سبتمبر. وكانت الرحلتان تعرفان باسم داو .(Dhow)

وهناك عامل بشرى هام لقوة العلاقة بين العرب وشرق أفريقيا تتمثل في تفوق العرب (بالأخص عرب عُمان) في ركوب البحر حيث أنهم عرفوا الانتقال عبر المحيط الهندي بحدوده المترامية عند الهند من ناحية وعند جزر وساحل شرق أفريقيا من ناحية أخرى. وكانت هذه بالتحديد مساحة الاحتكاك الحضاري بين الشعب العُماني على مر الزمان والشعوب القاطنة في هذه الحدود الشرقية والجنوبية والغربية للمحيط الهندي.

وجدير بالذكر أن العامل الاقتصادي الهام الذي يدل على قوة العلاقات بين العرب وشرق أفريقيا هو تجارة المحيط الهندي . وقد اشتهر العرب بالتفوق البحري من قديم الزمان وساعدتهم حركة الرياح الموسمية سالفة الذكر. حيث كان اتجاه العُمانيين إلى ساحل شرق أفريقيا لعلمهم بما لهذه المنطقة من خيرات وفيرة تتمثل في كميات العاج الهائلة والذهب والحديد وجلود النمور وأخشاب الصندل والأبنوس والعنبر وأصداف السلاحف وزيت النخيل. ولقد جلب العُمانيون معهم سلعاً مثل التمر العُماني وكذلك الأقمشة الملونة من الهند والتوابل والأواني المصنوعة من الزجاج من بلاد فارس ومن هنا نشأت علاقة تجارية قوية عبر المحيط الهندي منذ قبل الميلاد .

يعتقد بعض المؤرخين أن بدايات الهجرة العربية إلى شرق إفريقيا كانت عقب انهيار سد مأرب حيث دفع هذا الحدث بهجرة العرب دفعاً قوياً نحو الساحل الشرقي لإفريقيا بحثاً عن مأوى ومصدر للرزق خارج شبه الجزيرة العربية حيث القرب الجغرافي والمعرفة السابقة بالساحل. وكان من أشهر القبائل العٌمانية التي هاجرت إلى شرق أفريقيا قبيلة الحارث وقبيلة البروانى وكان لهم نفوذ اقتصادي وسياسي فى شرق أفريقيا. ومن أشهر العائلات العمانية التي استوطنت فى شرق أفريقيا أسرة البوسعيد فى زنجبار وبنو نبهان فى بات والمزارعة فى ممباسه. وتكونت إمارات عربية فى شرق أفريقيا فى العصور الوسطى مثل مقدشيو و براوه وبات ولامو ومالندى و ممبسه وكلوه ومدن أخرى وكان حكامها مستقلين وكانت تقوم بينهما حروب أحياناً ومثّل العرب فيها الطبقة الأرستقراطية .

وازدادت هذه العلاقات قوةً ورسوخاً بعد ظهور الإسلام وكان هناك نشاط للتجار العُمانيين حيث كانوا يجمعون بين التجارة والتعليم فأنشأوا الكتاتيب لتعليم القرآن الكريم وبنوا المساجد لأداء الشعائر الدينية ولتعليم الأفارقة قواعد الإسلام وشعائره الصحيحة. ومع انتشار الإسلام اتسع معه نطاق الملاحة البحرية العربية الإسلامية في المحيط الهندي وكانت الاضطرابات السياسية التي شهدتها الدولة الإسلامية أعقبها العديد من الهجرات العربية إلى أفريقيا .

ومن أهم هذه الهجرات العربية إلى شرق أفريقيا تلك التي خرجت من عُمان خلال الفترة (75ـ85)هـ (694ـ704) م بقيادة الأخوين سليمان وسعيد ابني عباد الجلندى من قبيلة الأزد وهما من شيوخ العرب الذين حكموا عُمان في أيام الدولة الأموية وثاروا في وجه الخليفة عبد الملك بن مروان ولكنهم فشلوا وتغلبت عليهم قوات الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 75 هـ/649 م ؛ فهرب سليمان وسعيد مع أنصارهما تاركين وطنهما إلى الساحل الأفريقي. ولا يُعلم تماماً أين نزلا على البر ويحتمل أن يكون قد نزلا في بات Pat في أرخبيل لامو ( أمام شواطئ كينيا حالياً ) . وحدثت هجرة عربية أخرى في عهد الدولة الأموية وهى هجرة الزيدية عام 122هـ (739) م إلى شرق إفريقيا بعد اضطهاد الأمويين لهم.

وعندما استولى العباسيون على الدولة الإسلامية انتشر الأمويون وأتباعهم في شمال أفريقيا والأندلس وكان من بينهم عدد لا بأس به وصل إلى الشاطئ الأفريقي عن طريق المحيط الهندي والبحر الأحمر. ومن الهجرات العُمانية الأخرى هجرة أهل صحار والباطنة بعد إعلان عُمان إمامتهم الأباضية على أثر حملات العباسيين المستمرة لعُمان لوجود إمامة أباضية مخالفة لهم.
ولعل من أهم الهجرات العربية في القرن الرابع الهجري( العاشر الميلادي) هجرة الإخوة السبعة من قبيلة الحارث العربية فقد هبطوا إلى الساحل الشرقي لإفريقيا عند شاطئ البنادر وأمتد نفوذهم حتى جنوب ممباسه. وهم الذين أسسوا مدينة مقديشو وبراوه ومركه. وكذلك هجرة النباهنه وسلطنتهم في بات في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).

ولقد تدفقت الوفود العربية العُمانية إلى زنجبار وشرق إفريقيا مع السلطان السيد سعيد بن سلطان بعد نقله العاصمة إلى زنجبار عام 1832 م حيث انتقل معه الكثير من العرب بغرض الإقامة وامتلاك الاراضى في زنجبار ويلاحظ أن السيد سعيد شجع أثرياء العرب على الهجرة إلى جزيرتي زنجبار وبمبه وأصبحوا يكونون طبقة أرستقراطية.

وبدأ العُمانيون في عهد السيد سعيد في الاستقرار في زنجبار ثم بدأوا في التوغل إلى الداخل كتجار فأسسوا المراكز التجارية ،ومن جهة أخرى أصبح العُمانيون يسيطرون على مساحات واسعة من إفريقيا تمتد من الساحل الشرقي إلى منطقة البحيرات العظمى في وسطها وتشمل الأراضى الواقعة في كينيا وأوغندا وتنجانيقا فكان للعرب دورُ هام ومؤثر في شرق أفريقيا قبل أن يصل إليها الأوروبيون.

يوجد العديد من الملاحظات الهامة على الهجرات العربية إلى شرق أفريقيا يمكن أن نوجزها فيما يلي:

1-قدم العلاقة بين عرب عُمان وشرق أفريقيا وقوتها بسبب تفوق عُمان بحرياً وقربها من الساحل الأفريقي.
2-زاد الإسلام العلاقة بين عُمان وشرق أفريقيا قوةً ورسوخاً وقام العُمانيون بنشر الإسلام في شرق أفريقيا
وساعد التجار المسلمون على ازدهار التجارة وإنشاء أسواق في شرق إفريقيا.
3-كانت هذه الهجرات تكاد تكون مقصورة على عنصر الرجال دون النساء وهؤلاء الرجال لم تكن تحكمهم عقدة عنصرية فقد تزوجوا من نساء أفريقيات. وكان من أبرز نتائج هذا الاندماج بروز الشعب السواحيلي بلغته المميزة، وقيام مجتمع جديد بعد جيل أو جيلين لم يعد من السهل تمييزه عن السكان المحليين.
4-ترك العرب آثاراً هامة على منطقة شرق أفريقيا في مختلف مجالات الحياة الثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية.

د. صالح محروس محمد
باحث ومحاضر في التاريخ الحديث والمعاصر

إلى الأعلى