الإثنين 18 يونيو 2018 م - ٤ شوال ١٤٣٩ هـ

الضيف

يقول أبي:” يوجد ذلك النوع الثقيل من الضيوف الذي يجعلك تتمنى لو أن بيتك بلا أبواب ولا نوافذ”. فتنظر نحوه أمي بوجه متشائم.
لكن وعلى الرغم من ذلك يرحب أبي وأمي بضيوفهم دائمًا، يقدسونهم، لا بل يضمونهم في الأحضان، أما نحن فما إن نحدس بقدوم ضيف ما؛ حتّى نسارع للاختباء في جحورنا مثل أرانب صغيرة مرعوبة. في الحقيقة اختباؤنا ليس بداعي الخوف أو الفظاظة، بقدر ما هو خجل من الغرباء. رغم أن الضيوف ـ كما تقول أمي ـ لا يكونون في العادة غرباء أو لا يعودون كذلك، لكن بالنسبة لنا أي أحد سوى أبينا وأمنا هو غريب.
يستقبل بيتنا ضيوفه في ملحق صغير في الباحة الأمامية، تقابله حديقتنا الصغيرة التي جعلها أبي مثل الجنة، فبها أراجيح ومرمى لكرة السلة، زهور وعشب أخضر وقفص للعصافير، تشكل لنا عالم متسع رغم ضيق حيزه، لا نحتاج فيه إلى أحد، ويشعر أبوانا أننا بأمان فيه. لكن حين يحل ضيف نشتاق لجنتنا فنحن لا ندخلها لأننا خجلون من أن يطل علينا الضيف عبر النافذة فيرانا ونحن نتشاكس هنا وهناك…
لم يمسّنا ضيف واحد، وكنا في مرات قليلة نصارع أقدامنا كي نقف لثوان بوجوه محمرة منكوسة إلى الأسفل نتحاشى أيادي الضيوف التي تحاول الربت على أكتافنا الصغيرة ثم وبحرج يطري الضيوف على حسن تربيتنا أمام أبي وأمي الذين يكونان في قمة الترحيب والبشاشة ويقولان مازحين: “أطفالنا… حشرات صغيرة مراوغة لن تودوا الاقتراب منها!” فنتراكض نحو ثغورنا نخبىء ضحكاتنا ونتخيلنا نملا لادغا، أو فراشات محلقة، أو صراصير نابشة.
مرة حلت عمتي العجوز ضيفة على بيتنا، قالت أمي إنها ستمكث مدة طويلة، ولم نكن نعرف كيف تكون المدة طويلة سوى من خلال ذلك الوقت الذي ننتظر فيه المثلجات أو شطائر الهامبرجر في السيارة مع أبينا، أو أن تفرقع حبات الفشار التي تصنعها أمي جميعها.
لم نقترب من عمتي قط وكنا من شق الباب نسترق النظر إليها وهي جالسة في صالة البيت وتصلنا رائحتها التي تشبه رائحة النعناع المجفف. تهامسنا:

- هيا بنا نقترب
- لا. لا
- إنها عمتنا
- صوتها مثل ماكنة حلاقة أبي
- لكنها ليست ماما أو بابا
- أنا خائفة

وحين لمحناها تنهض من جلوسها بتثاقل وتتجه نحونا، جرينا مسرعين إلى أسرّتنا وتغطينا. فتحت الباب. وكنا في الظلام تحت الأغطية متجمدين نخشى أن تقترب منا فتلمسنا.. قالت:

- من ناهض ومن نائم؟
تجاهلناها، فكررت عبارتها تلك وما نزال صامتين. فقالت:
- سأحكي لكم حكاية… عن ولد اسمه…
وبدأت تقص علينا حكايتها، لكننا لم نكن مصغيين ولم نقبض على الحكاية بقدر ما قبضنا على حرصنا الشديد أن لا يقترب منا صوتها أكثر، أن لا تقترب رائحتها، ولا تقترب هي، فتلمسنا…
ويحب أبوانا كل الضيوف، وكل الضيوف يحبون أبوينا.. لكننا نحن لا نقترب، ويقول أبي: يوجد ذلك النوع الثقيل من الضيوف الذي… فتتشاءم أمي وتقاطعه راجية إياه أن لا يكمل.
ونحن نغرق في حديقتنا التي تشبه الجنة ونشتاق لها متى ما حل علينا ضيفا…
في ساعة ما وبلا ميعاد، حل على بيتنا المضياف ضيف جديد وثقيل لم نتمكن نحن الحشرات الصغيرة من الهرب منه ومراوغته. وقعنا في فخه، دخل البيت مثل لص، لفّنا في قماشة بيضاء أمام مرأى أبوينا الذين تمنيا وهما يسكبان الدموع لو كان بيتنا بلا أبواب ولا نوافذ.

حمد المخيني

إلى الأعلى